الأربعاء, 27 أفريل 2022 04:29

حراك تكالب عليه الجميع.. مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

يبدو أن قدرَ الثورات المجهضة أن تكثر عليها السكاكين والطعنات من جميع الاتجاهات، لتتحوّل تلك الذكرى التي ألهمت الجماهير يومًا وداعبت مخيال الأمل والطموح ونشوة الحريّة في ضمائرهم، إلى ذكرى سيّئة أقرب إلى نزق الشباب أو النزوة من مرحلة الطيش تستحق التوبة والاستغفار والعزم على عدم العودة.

فها هو النظام السياسي الذي دوّن الحراك الشعبي في دستوره، يلاحق ناشطي الحراك بالاعتقالات والملاحقات القانونية والمحاكمات والرقابة القضائيّة، من أجل إلغاء مجرّد التفكير في الاحتجاج ومسح ذكرى 22 فبراير 2019 وربطها في الأذهان بصورة القمع والسجن ومخافر السلطة، بدل ربطها بفكرة الأمل، التي تُرهب أركان النظام. لقد قلبت 22 فبراير تفاصيل حياة رموز النظام رأسًا على عقب، لا شكّ أن ذاك المسؤول الحكومي الفاسد الذي يمثّله المخيال العام بـ"الكوستيم دوميمونش" قد أمضى ليال طويلة لم يذق فيها طعم النوم وهو يرى الهبّة الثورية المتصاعدة طوال أيّام 2019، منتظرًا في أيّ لحظة أن تدقّ الشرطة بابه ويُجرجر إلى سجن الحراش رفقة أويحيى وسلال والهامل وباقي الشلّة.

لقد عاش شعب "كلوب ديبان" أيّامًا وليالي سوداء وهم يرتقبون أن يتحوّل كل ذاك الفردوس والنعيم من فيلات فاخرة وحمّام السباحة وحراسة شخصية والسيارات الألمانية وحدائق عدن الغنّاء إلى هباء منثور في رمشة عين، وسيطر الرعب على نفسيتهم من أن ينجح هؤلاء الصعاليك البؤساء الذين يصيحون في الشوارع كالمجانين من أن اقتحام حصون موريتي وإرسال أصحابها إلى زنازين الحراش الكئيبة..

الحديث عن أنّهم لن يسمحوا بـ22 فبراير ثانية هو تصوّر قاصر ومتفائل: إنّهم لن يسمحوا حتى بمجرّد التذكّر أو الأمل أو الشوق، لن يسمحوا بمجرّد الحنين أو "النوستالجيا" أو إعادة استحضار الحالة الشعورية، ولو استطاعوا أن يخترقوا الذاكرة والعقل والفؤاد ويمحوا كلّ صورة ومشهد وشعور مرتبط بـ22 فبراير لفعلوا، ولو كان في مقدورهم أن ينتزعوا كل صورة "سيلفي" من هواتف الناس وكل شعار من شعارات الحراك، وكل لافتة وكل مشهد أيقوني يذكّرهم بأيّام الجحيم، المرتبطة عندنا بالأمل، والمرتبطة عندهم بالأدوية المسكّنة وليالي الأرق والخوف والرعب من مصير "الحرّاش"، لما تردّدوا. وهنا يأتي دور التشويه والخلط والتحريف أداةً للقضاء على الذاكرة الجماعية، فإن عجزوا عن مسح ألوان اللوحة الفنيّة فإن البديل هو تخريب اللوحة وتشويهها والانتقاص منها والسخرية من أركانها.

الاعتقالات، الملاحقات القضائية، الحبس، القمع، وفوق كل هذا: احتراف التفكيك. فانتهاك حرمة البيوت، واعتقال النساء، لا يهدف في جوهره إلى مجرد التخويف ونشر الرعب فحسب، بل يهدف إلى تكريس المنطق الذي سار به النظام منذ بداية الحراك، أي التفكيك. تفكيك الأسرة وتشتيتها وضرب أفرادها بعضهم ببعض وإلقاء قنابل داخل العائلات، لكي يصبح الناشطون مصدرًا للعيب والعار ومدعاة للخجل والتبرّؤ، بدل أن يكون الاهتمام بالمجال العام دعاة للشرف والفخر..

كل هذا السُعار يعكس حالة الرعب والخوف والانتقام لدى شعب "كلوب ديبان". ولا تأتي الطعنات الموجّهة للحراك كفكرة وذاكرة جماعية لشعب خرج من أجل التحرّر يومًا من طرف النظام وحده بآلته القمعية التي تعتقل المواطنين وتنتهك حرمة البيوت وتسجن حتى النساء وتحاسب الناس على مجرّد الكتابة ..

وربّما قريبا تصل أيديها إلى مجرّد التفكير أو مداعبة الخواطر؛بل إن هذا التكالب يشتمل أيضًا على من يُدعون بـ"المثقّفين" الذين أبدعوا وتفنّنوا في تسفيه الجماهير والسخرية منهم واتهامهم بالشعبوية والشطط، منهم من ينتقم من الحراك لأنّه لم يرفع على الأكتاف ولم يقدّمه إلى القيادة والبروز، وبعضهم ينقم عليه نقمًا نابعًا من استكبار وغرور واحتقار البسطاء واعتباره شعبًا قاصرًا أو "غاشي" يستحق الإبادة والقتل الجماعي والبناء من الصفر، وبعضهم يحقد على الحراك لأنّ القطار فاته ولم يجد سبيلاً للركوب، وآخرون ينقمون عليه لأن "الواقع" الشعبي لم يوافق "نظريته".

وقد تطوّع مدّعو الثقافة هؤلاء لتقديم خدمات مجانية للسلطة في تشويه الشعوب ونعتها بشتى الأوصاف والتحقير من أي حركة أو نشاط تقوم به ووصمه بالتخلّف والجهل والانحطاط، مع سكوت وتجاهل فعلي لقضايا القمع والحريات والاعتقالات وكّانها لا تعنيهم..إنه مشهد مألوف من مشاهد الانتفاضات المجهضة، مصداقًا للمثل الذي يقول بأنّ النجاح أحبابه كثيرون، أمّا الانتكاسة فوحيدة موحشة مثل القبور. 

قراءة 132 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 27 أفريل 2022 04:39