الجمعة, 02 سبتمبر 2022 19:36

يريدون إماتة الكلمة والفعل...مدرسة الحراك الحيَة مميز

كتب بواسطة :

تجربة الحراك الشعبي السلمي هي أكثر التجارب زخما وتنوعا وتدفقا في حياتي، كان موقف اللحظة يطاردنا، كنا نصنع موقفنا ومصيرنا وحريتنا بأيدينا، تجاوزنا لحظات عصيبة ما ظننا أنها تمر ولكنها مرت، عشت فيها تجربة صناعة التغيير...

فرق كبير بين أن تقرأ عن التغيير والثورات وأن تكون في قلبها وتعيش ساعاتها ولحظاتها واندفاعها وذروتها واندفاعها وانحسارها..أن تحافظ على اتزانك هذا التحدي الأكبر، أن يكون الرأي متداولا ويناقش باستمرار وبحرية، هذه تجربة رائعة....تعلمت في الحراك ما لم أتعلمه في غيره، وتعرفت إلى أحرار من طينة الكبار، ما افترقنا من يوم التقينا في ساحات الحراك وميادينه في أشهره الأولى ..قلما تجد أُناسا لا هم لهم إلى خدمة قضية التغيير وتحمل أعبائه، وهم نماذج لندرة من الرجال الذين هم أكبر مما يسمح به زمانهم أو مكانهم...

ويمكن القول إن كتلة ثورية صلبة أفرزها الحراك، يمكن الاعتماد عليها في أي بناء لقوة سياسية ضاغطة، صقلوا تجربة التغيير في الميدان، راكموا الوعي وتحملوا الحصار ولم يجبنوا عندما أُخيفت السُّبُل، وكثُر الإرجاف، وساءت الظنون...وتعلموا من أخطاء اللحظة ما لا يمكن تعلمه من غير التحام في الساحات والميادين...

كانت قضيتنا الكبرى في الحراك، ولم تزل: مسألة الحرية وتحرير الشعب، أعطيناها اهتمامنا وأوقاتنا وتفكيرنا وأعز ما نملك، بحثنا عنها أملا وعملا، فلن تكن عندنا بحثا علميا ولا ترفا فكريا بل كانت قضية مُلحة ومشروعا لبلد ووطن وأمة، فعملنا لها وبحثنا عنها وخُضنا معركتها، وهي معركة الحياة كلها...

فلا عَبَرت بِي ساعة لا تُعزّني *** ولا صحبتْني مُهجةٌ تقبلُ الظلما..

الحراك ساحة أحداث وتجارب متحركة على الدوام، فما هي بجوّ تفكير بارد، ولا ميدان ترف فكري وتأمل ذهني، إنما تسبق الحركة فيه الفكرة أحيانا، وتُهذَب الفكرة وقت تلاحمها مع الميدان...والفكرة إن لم تُهذب وتُروَض يصير صاحبها مُرتهنا لها، والإنسان أهم من الفكرة والتجربة، وقدرته كبيرة على التأثير فيهما، ما لم يحبس نفسه في أسوارهما، وقد أصبح في زماننا الثوري أكثر تحررا ونضجا ومواكبة من سابقه..

يقولون: الثورة مُعلَم قاس، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكن تتعلم فيها ما لا تجده في غيرها...والتغيير قادم لا محالة وسيتحقق على أيدي الشجعان الثائرين، من ذوي الرأي والاتزان والحصافة، لا على أيدي المنكفئين السلبيين بليدي الحسَ، فالإنسان ذو موقف بفطرته، فهو إما أن يعبر عن رأي مناصر للتغيير ومقاوم للطغيان، وإما أن يتبنّى موقفا مساندا للقبح والظّلم، وإما أن ينغلق على أنانيته فحسب...

فالثائر الحرَ -إن صدق نفسه وقضيته- جزء من مجتمع التغيير الناهض. والميزان الأخلاقي الذي في صدره يُجبره على تبني موقف بشأن مصير بلده وتحرير شعبه...وبهذا يغدو الثائر إبان المنعطفات الكبرى واللحظات التاريخية الفارقة متحركا في ساحة وغى وحقل ألغام، ولن يخرج من أي تجربة حراكية تغييرية إلا وقد جرحته سيوف، ونالت منه رماح، وأخذت منه نبال. ولا ضير أن يُنال من الثائر المصلح، فهذه سنة السائرين في طريق الحرية الطويل الوعر، وقد سبقنا إليه عظماء ومصلحون عبَدوا لنا الطريق، طريق طلب الرَشد السياسي..

يريدون إماتة الكلام والفعل بعد حصار الحراك وترهيبه، فالدعاية الإعلامية الضخمة للثورة المضادة مسخت الحقيقة، وحوّلتَها إلى وجهة نظر، واغتالت جمال التغيير الصادق، فغرقَت السوق بالأضاليل، وانصرف الناس واضعين أصابعهم في آذانهم، غير عابئين بالكلام، لكن كل هذا إلى حين، لأن سياسة الغلق تدمر حياة الناس وتهبط بكرامتهم وتسمم الأجواء وتشعل الغضب في الصدور..ولن نستسلم للانحطاط والظلمات، فالإقدام في لحظات الالتباس ميزة الشجعان، والتصريحُ بالموقف في الأماكن المعتمة امتحان للفرسان..فالتأثير لا يتأتَى دون روح وثّابة وقلب دفاق خفاق وعقل فوَار، إذ البليد البارد لا يتجاوز ذاتَه الصقيعية، والجمادُ لا روح فيه لتسري في أحشاء حركة الشعوب ونهوضها..

قراءة 79 مرات آخر تعديل في السبت, 03 سبتمبر 2022 03:55