الثلاثاء, 25 أكتوير 2022 20:28

حملة استباقية....اعتقالات لمنع أي تحرك؟ مميز

كتب بواسطة :

حملة الاعتقالات الأخيرة لبعض الناشطين السلميين تبدو وكأنها استباقية، بعض المتابعين يرى فيها تخوفا من العقل الأمني في السلطة من أي تحرك مع اقتراب ذكرى أول نوفمبر، خاصة مع التحضير الاستعراضي للقمة العربية، وزادوا على هذا بالتحرك المضاد لقطع الطريق على أيَ تحرك حقوقي بالتنسيق مع مُقرَرة حقوق الإنسان الأممية لتوثيق شهادة ضحايا الاعتقالات التعسفية والسجن الاحتياطي، ورُبما حرج الأكبر أن الجزائر انتُخبت، هذا الشهر، عضوا في لجنة حقوق الإنسان الأممية...وهذا من شأنه أن يغذي الشحن والشحن المُضاد.

ويبقى الهوس الأمني من أي تحرك للشارع السياسي أو الاجتماعي مُهيمنا في محاولة السلطة إخضاع المجتمع وتشديد الرقابة على ناشطيه ومن ترى فيهم مؤثرين ميدانيين، ومنعا لأي تحرك شعبي مُحتمل، باستخدام أدوات الترويع والترهيب والضغط، تكريسا للمنطق الأمني في التعامل مع المجتمع وتململه وغليانه من فُشوَ المظالم...هذا كل ما في جعبة السلطة الأمنية: التحكم والسيطرة والرقابة، ولم تأت في هذا بجديد، وأشعل بلدانا وأحدث اضطرابات وتصدعات، ولم يحقق المُراد منه إلا بُرهة من الزمن، لتنفجر الأوضاع مُجددا...

وعالم اليوم يختلف عن عالم الأمس، وما عاد الإخضاع مُمكنا، وقد يفجر الوضع أكثر ممَا يُخمده، ووسائل السيطرة تواجه بإرادة التمرد والتحرر ومنصات التواصل الاجتماعي أو ما يسمى "الإعلام البديل"، وقد أصبح وسيلة لما هو أكثر من الاحتجاج والتوعية، أي إلى الضغط على أنظمة لتغير مواقفها المتصلبة، وتأثيره (الإعلام الجديد) مهم في نشر ما يحدث.

والاحتجاجات تطورت مع وسائل الإعلام الجديد بشكل كبير، وأعطت قوة كبيرة لأناس هامشيين، ومن أهم مميزات الإعلام الجديد أنه قليل التكلفة مقارنة بما يكلفه الإعلام الآخر، واسع الجمهور، وغير طبقي، يخترق المناطق والحدود والطبقات، يتجاوز اهتمامات أي شخص ويدخله في الهم العام، وهذا جانب بالغ الأهمية، إذ كان الإعلام والمجلات والتلفاز والمسرح والإذاعة كثيرا ما تحاصر المستهلك باتجاه وسياسة محددة، ولكن هذا الإعلام الجديد يجعلك تهتم بما لم تكن تفكر فيه ولا تهتم به، كما أنها لا تحتاج إلى معلومات كثيرة بل معرفة بسيطة بكيفية الاستخدام. وأصبحت ساحات الحوار الجديدة أبلغ أثرا وإيصالا للمواقف والأفكار والأخبار من أي وسائل سابقة، بل أصبح لكل فرد هُويَة محددة في شبكات عامة، وكأنها تعوضه عن العزلة المدنية التي أحاطت به مع تطور التقنية، فأصبحت تخرجه إنسانا اجتماعيا سويا مرة أخرى..

لا قيمة لأي بلد بمجتمع ساكن خامد، ولا مستقبل لأي سلطة لا وجود لها خارج الهيمنة والسيطرة، وتقمع وتُجرَم حركة استعادة الحياة المدمرة والحرية المساوبة والكرامة المُهدرة، وهذا منطق جُرَب وأدى إلى خراب البلدان، وما زالوا يستخدمونه لأنهم لا يملكون غيره، وهذا مكمن الخطورة والتهديد الحقيقي على البلد وأمنه القومي لأنه يؤجج الاحتقان الداخلي يشعل الوضع ويشحنه ويفجره ويُغرق البلد في الاضطرابات، ولن تحقق السلطة أي تقدم في أي مجال، داخلي أو خارجي، بسياسة الغلق والسيطرة وتسميم الأجواء ونشر الكراهية والأحقاد وإدامة حالة التوتر في البيئة الداخلية..

ما يجنيه البلد من الإفراج عن المعتقلين وتخفيف القبضة الأمنية ووطأة سياسة الغلق من إيجابيات يفوق تصورات أصحاب الطريقة الظلامية في التعامل مع قضية الحريات، والتغافل عن مرارة الواقع سيُخلَف واقعا أكثر مرارة وبالغ السوء. وبات كثير من الناس، اليوم، يشعر أن نظام الحكم المُترهَل والمُنغلق حرمهم من الحياة الطبيعية، ومع أنه منفصل عن معاناة الناس إلا أنه صادر حقهم في حياة كريمة...ولهذا، بدت استعادةُ الحياة فكرةً مُلهمة قوية استهوت مجموعات متنوعة ليس للمطالبة بها، وفقط، ولكن أيضا لممارسة حقها في الرأي والتعبير والتجمع والفعل السياسي..

قراءة 106 مرات آخر تعديل في الجمعة, 28 أكتوير 2022 09:05