الخميس, 14 ماي 2020 21:20

كيف سيغيِّر وباء "كورونا" العالم؟ مميز

كتب بواسطة :

تساءل الباحث في الاقتصاد البيئي، سيمون ماير، في مقال نشرته شبكة "بي بي سي": هل يكون للتحولات الجذرية الطارئة على أسلوب حياتنا يدٌ في المعركة الكبرى ضد الفيروس؟ وكيف سينتهي بنا المطاف بعد 6 أشهر أو عام من الآن، أو لنقل، بعد عشرة أعوام من الآن؟

وكتب أن أسئلة كثيرة تقضُّ مضجعه حول ما يحمله المستقبل لنا ولأحبائنا وأصدقائنا وأقاربنا المعرضين لخطر الإصابة أو الموت ربما. وتساءل أيضًا عما يحمله المستقبل لعملي، حتى وإن كنت من هؤلاء المحظوظين الذين يمكنهم العمل عن بعد متقاضين أجورًا معقولة كذلك.

وقال الكاتب: أكتب لكم الآن من المملكة المتحدة، حيث لا يزال أصدقائي أصحاب المهن الحرة ينتظرون الفرَج منذ أشهر قضوها بلا أيّة أجور، وفي الوقت الذي فَقد فيه أصدقاء آخرون وظائفهم. فهل سأجد من يوظفني مستقبلاً عندما أمسي بلا عمل؟

ثمة احتمالات لما سيكون عليه مستقبلنا، وتعتمد جميعها على الطريقة التي ستتعامل بها المجتمعات والحكومات مع الفيروس وعواقبه الاقتصادية الكارثية. ربما يساعد تقليل الاتصال بين الأشخاص في وضع إستراتيجيات تحكم أخرى، وأحد تلك الإستراتيجيات الشائعة التي تحد من تفشي الأمراض المعدية تتمثل في تتبع المخالطة والعزل، إذ يتم تحديد اتصالات الشخص المصاب في الفترة السالفة ثم وضعهم بالعزل لمنع ظهور حالات جديدة. وتزداد نجاعة هذا الحل بزيادة النسبة المئوية للأفراد المتتَبعين. وكلما كان للشخص المصاب اتصالات أقل، سهلت مهمة التتبع ومن ثم سَهُل الوصول إلى تلك النسبة المئوية العالية. وبوسعنا أن نعلم من مؤشرات "ووهان" الصبنية أن تدابير التباعد والعزل فعّالة بشكل كبير.

يساعدنا الاقتصاد السياسي على فهم الأسباب التي أدت إلى إرجاء تلك التدابير في البلدان الأوروبية (وخاصة المملكة المتحدة والولايات المتحدة). ولكن إجراءات الحجر المنزلي تثقل حِمل الاقتصاد العالمي، فنحن على شفا ركود اقتصادي حقيقي، وقد دفعت هذه الضغوط بعض رؤساء العالم إلى المناداة بتخفيف إجراءات وتدابير الحجر المنزلي.

التدابير الاقتصادية في فترات الانهيار بسيطة إلى حد ما: فالشركات وُجدت لجني الأرباح، وإن لم تكن الشركات منتجة، فإنها لن تبيع شيئًا، مما يعني أنها لن تجني أية أرباح، ومن ثم لن تكون فرص توظيفك كبيرة. يمكن للشركات أن تعلّق (على فترات زمنية قصيرة) العمال غير المفيدين في الوقت الراهن، ومن ثم تكون قادرة على تلبية احتياجات السوق عندما ينتعش الاقتصاد ويقف على قدميه من جديد. ولكن حال ازدادت سوءًا على سوء، فإن الشركات لن تقوم بهذا التعليق.

لهذا، يخسر كثيرون وظائفهم أو يخافون من كون الأمر وشيكًا، وسيشترون بمعدل أقل من السابق، وتبدأ الدورة برمتها من جديد، وننطلق حثيثا نحو الكساد الاقتصادي.

في الأزمات الطبيعية، يكون العلاج بسيطًا، حيث تنفق الحكومات مما لديها حتى يعود الناس إلى العمل والاستهلاك من جديد. إذ الهدف الأساسي من الحجر المنزلي هو إيقاف الناس عن الذهاب إلى العمل، حيث تتكون بؤر العدوى. وفي دراسة حديثة اقترحت أن رفع إجراءات الحظر في منطقة "ووهان" الصينية (بما في ذلك إغلاق أماكن العمل) قد يترتب عنه ذروة ثانية قريبا من الحالات في وقت لاحق من عام 2020.

وكما كتب عالم الاقتصاد جيمس ميدواي: لا تكمن الاستجابة السليمة لوباء كورونا في ما يعرف باقتصاد الحروب (أي رفع الإنتاج إلى مستويات هائلة)، وإنما يكمن الحل في "اقتصاد اللاحرب" وتخفيض الإنتاج بمستويات هائلة. وإذا أردنا أن نكون أكثر صمودًا أمام أوبئة المستقبل، فإننا بحاجة إلى نظام قادر على تقليص الإنتاج بطريقة لا تقلص سبل العيش.لذا، فما نحتاجه الآن هو عقلية اقتصادية جديدة. فقد اعتدنا رؤية الاقتصاد بمثابة عملية بيع وشراء تداولية للسلع الاستهلاكية بشكل رئيسي، ولكن ليس هذا هو الاقتصاد ولا هو الذي نحتاجه. فالاقتصاد في جوهره يعبر عن الطريقة التي نحول فيها مواردنا إلى أشياء نحتاج إليها لنعيش.

وبالنظر إليه من هذه الجهة، فإنّه يمكننا البدء في رؤية فرص الحياة بشكل مختلف مما يسمح لنا بإنتاج أقل، أي إنتاج ما نحتاج إليه بالفعل.وتشير الاقتراحات إلى تقليل طول أسبوع العمل، أو كما ذهبت إليه فحوصاتي الأخيرة بأنك قد تسمح للناس بأن يعملوا بشكل أبطأ وبضغط أقل. ولا شيء مما سبق يتصل بشكل مباشر مع ممانعة المرض، حيث تهدف الإجراءات بشكل أساسي إلى تقليل التواصل بين البشر لا تقليل الإنتاج. إلا أن المقترحات جميعها تصب في جهة واحدة، عليك أن تقلِّل من اعتماد الناس على الحاجيات ليكونوا قادرين على العيش.

ويمكن اعتبار التوافد الكبير للناس على الوظائف عديمة الفائدة جزءًا لا يتجزأ من المشكلة الكبرى التي نواجهها الآن: كوننا غير مستعدين بما يكفي لمواجهة الأزمة. فالوباء سلط الضوء على عبثية عديد من الوظائف أو كونها غير أساسية لاستمرار حياتنا في الوقت الذي نفتقر فيه إلى العاملين الأساسيين والأكفاء للإمساك بزمام الأمور من جديد.

فالناس مضطرون إلى العمل في وظائف عديمة الفائدة لأنه في المجتمعٍ الذي تكون فيه قيمة المبادلة هي المبدأ المهيمن على الاقتصاد، تكون  السلع الأساسية كافة موجودة بشكل أساسي في الأسواق، مما يعني أن عليك شراءها، وشراؤها يحتاج إلى دخلِ، والدخل يتأتى بالعمل. والوجه المقابل لهذا الأمر يتمثل في كون أكثر الحلول تطرفًا و(كفاءةً) في مواجهة تفشي الوباء تناهض هيمنة الأسواق وقيمة المبادلة على المجتمع.

وتتخذ، الآن، الحكومات حول العالم إجراءات بدت مستحيلة من ثلاثة أشهرٍ سبقت. ففي إسبانيا مثلا: أُمِّمَت المستشفيات الخاصة. وفي بريطانيا، أصبحت إمكانية تأميم مختلف وسائل النقل أمرًا واردًا جدًا. كما أعلنت فرنسا عن استعدادها لتأميم الشركات الكبرى. وفوق ذلك، بينما نشاهد بأعيننا انهيار أسواق العمل، فإن بلدانا مثل الدنمارك وبريطانيا تمد الموظفين بدخل معقول لكي لا يضطروا إلى الذهاب إلى العمل. وهذا جزء أساسي من خطط الحَجر الناجحة. ويمكن اعتبار هذا الفعل نقلة ملحوظة من مبدأ يدعو إلى العمل لكسب الدخل، إلى مبدأ آخر يقدم حياة البشر على الدخل، فالناس يستحقون الحياة حتى وإن كانوا لا يستطيعون العمل.

ويعكس هذا هيمنة توجهات الأربعين سنة الأخيرة. فعلى مدار هذه المدة، كان يُنظر إلى الأسواق وقيم المبادلة بمثابة الطريقة المثلى لتحريك الاقتصاد. ويبدو أن كورونا يعكس هذا التوجه الهام، توجه يسعى إلى إخراج السلع الصحية والعمالية من السوق، ومن ثم وضعها بأيدي الدولة. فالدولة تنتج لأسباب عديدة، بعضها حَسَن وبعضها الآخر سيئ. ولكنها -على عكس الأسواق- ليست بحاجة إلى الإنتاج في سبيل قيمة المبادلة وحدها..

لقد كان هناك إجماع اقتصادي واسع منذ 40 سنة، مما أثر في طريقة تفكير السياسيين والمنظرين، وحدَّ من قدراتهم على ملاحظة أوجه القصور والخلل في النظام الاقتصادي أو حتى قدرتهم على تخيل نماذج بديلة، وهذه الطريقة من التفكير يوجهها خطان رئيسيان:يوفر لنا السوق حياة الرفاهية، ومن ثم ينبغي حمايته.لطالما عاد السوق إلى حالته الطبيعية بُعيْد مرور الأزمات.هاتان الرؤيتان شائعتان جدًا في عديد من البلدان الغربية، وتصلان إلى ذروتهما في كلٍّ من أمريكا وبريطانيا، قد أظهرتا لنا مدى سوء الاستعداد والاستجابة للوباء.

وقد تسفر الأزمة عن عدة نتائج، أهمها توسيع مخيلتنا الاقتصادية، فالمجتمعات تعتمد خطوات الآن بدت مستحيلة منذ ثلاثة أشهر مضت، وبالمثل قد تتغير أفكارنا حول الكيفية التي يعمل بها العالم. ولكن الفشل اللاحق للاقتصاد والمجتمع من شأنه أن يفضي إلى اضطراب في السياسة وخلل في الاستقرار المجتمعي، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى فشل الدولة وانهيار أنظمة الرعاية فيها وفي المجتمع.

ومهم، هنا، معرفة أن تدابير مثل تأميم المستشفيات والرواتب العمالية لا ينظر إليها على أنها تدابير وقائية لحماية السوق، إنما اتُخذت للحفاظ على حياة الناس. فتتدخل الدولة لحماية أجزاء الاقتصاد الأساسية لاستمرار الحياة مثل إنتاج الطعام والطاقة والسَكَن، وهذا حتى لا تقع الحياة الأساسية رهينة السوق وأهوائه. فالدولة تؤمم المستشفيات وتجعل المساكن متاحة بالمجان. وأخيرًا، توفِّر للمواطنين كافة طرق الوصول إلى مختلف السلع، سواء كانت سلعا أساسية أو سلعا استهلاكية يمكننا إنتاجها بقوة عاملة مخفضة.

فأرباب العمل ما عادوا الوسطاء الوحيدين بين المواطنين وحاجاتهم الأساسية للحياة. والرواتب تصل للجميع مباشرةً..وعمال المحال التجارية وسائقو خدمات التوصيل المنزلي ومنظمو المخازن والممرضات والمعلمون والأطباء هم الرؤساء التنفيذيون الجدد.

وعلى هذا، كشف فيروس "كورونا" عن أوجه القصور الخطيرة في نظامنا الحالي. والاستجابة الفعالة لهذا تتطلب تغييرات اجتماعية جذرية. ورأى الكاتب أن هذا يتطلب تحركات جذرية بعيدة عن الأسواق وعن اعتبار الأرباح وسيلة أساسية لتنظيم الاقتصاد.  

** رابط المقال الأصلي: https://www.bbc.com/future/article/20200331-covid-19-how-will-the-coronavirus-change-the-world

قراءة 248 مرات آخر تعديل في الخميس, 14 ماي 2020 21:43