الأحد, 27 سبتمبر 2020 09:58

ورقة "القومية" الأقوى سياسيا...لن تكون الليبرالية كافية للفوز وترامب تهديد وجودي للنظام الديمقراطي مميز

كتب بواسطة : ستيفن والت / أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة "هارفارد" (مجلة "فورين بوليسي")

انتخابات 2020 الأمريكية تتجه نحو منطقة خطرة، وربما الأهم من ذلك، أن ترامب ورفاقه يشكلون تهديدًا وجوديًا للنظام الديمقراطي للولايات المتحدة. من الصعب تفويت علامات التحذير من الاستبداد الزاحف: ازدراء سيادة القانون، واللامبالاة بالمعايير الديمقراطية، ورفض التصريح علانية أنه سيكون على استعداد لترك منصبه إذا خسر، والكذب الذي لا يمكن إصلاحه، والجهود النشطة لتشويه سمعة الصحافة، وأشكال مختلفة من التعامل الداخلي الفاسد، وكل هذا بمساعدة وتحريض من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، الذين أدى إدمانهم للسلطة وتجاهلهم للمبادئ إلى تحويلهم إلى أتباع الرئيس.

وبالنظر إلى كل ذلك، فليس من المستغرب أن يتأخر ترامب في استطلاعات الرأي، ولكن إبعاده في انتخابات نوفمبر ليس مضمونا، ليس فقط لأنه يتمتع بقاعدة دعم مخلصة، ولكن أيضًا بسبب خصوصيات الهيئة الانتخابية والاحتمال الحقيقي أن يعلن ترامب أن النتائج غير صالحة، ويرفض نقل السلطة. ولهذا السبب، يحتاج بايدن (مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم) إلى بذل كل ما في وسعه لجعل انتصاره لا يقبل الجدل.

 في الواقع، يعود كثير من جاذبية ترامب للناخبين إلى دعوته للقومية الأمريكية، إذ تظل القومية أيديولوجية قوية بشكل ملحوظ، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تحيا من دونها، وإذا كان "بايدن" يريد الفوز في نوفمبر القادم، فعليه اعتناق القومية مع إعادة التأكيد على القيم الليبرالية. من حيث الجوهر، فهو بحاجة إلى تقليل الحديث عن "الشراكة" و"القيادة" على المسرح العالمي، والمزيد عن الوطنية والوحدة الوطنية.

بالإضافة إلى بناء تحالف قوس قزح، يجب على بايدن أن يلف نفسه باللون الأحمر والأبيض والأزرق (ألوان العلم الأمريكي)، هذه أهداف يعزز بعضها بعضا. وتظل القومية أقوى أيديولوجية سياسية على هذا الكوكب ومصدر حاسم للهوية لمعظم البشر، بما في ذلك الغالبية العظمى من الأمريكيين.

وفي تناقض حاد مع الليبرالية، التي تتصور المجتمع على أنه مكون من أفراد يتمتعون بحقوق طبيعية فطرية، ترى القومية البشر كيانات اجتماعية ذات شعور قوي بالارتباط بأولئك الذين يتشاركون نفس الثقافة والمنطقة. وكانت عقيدة القومية، أي فكرة أن معظم البشر جزء من أمة وأن الدول يجب أن تحكم نفسها، أقوى أيديولوجية سياسية على هذا الكوكب على مدى الـ 250 سنة الماضية.

والقومية هي السبب الرئيسي لانحلال الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والهولندية والإسبانية والعثمانية والنمساوية المجرية والسوفييتية في نهاية المطاف، وهي تفسر سبب تحول الأمم المتحدة من حوالي 50 عضوًا عند تأسيسها إلى ما يقرب من 200 عضو اليوم. وتجاهل القومية يعني تجاهل جزء كبير من الواقع الدولي وجزء رئيسي من المشهد السياسي الأمريكي أيضا.

وليس هناك شك في أن ترامب يعرف ما الذي يبيع. وبالتالي، فمن المفهوم أنه منذ بداية حياته السياسية، صور نفسه باستمرار على أنه قومي أمريكي متشدد. تأمَل في شعاراته: "أمريكا أولاً"، "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، "بناء الجدار"، إنه يميل بقوة إلى إدانة الأجانب -سواء كانوا حلفاء أم لا-، وكان خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2017 بمثابة استحضار كامل للأفكار القومية الأساسية. ليست لغة العولمة أو الأممية الليبرالية، بتركيزها على الحقوق العالمية أو استحضارها فكرة "القرية العالمية"، إنها لغة القومية، وتشكل جزءًا مهمًا من جاذبية ترامب المُحيرة في بعض الأحيان.

قد يكون متهربًا من التجنيد، ومتحايل، وغير أمين بشكل لا يمكن إصلاحه، ولا يشعر إلا بالازدراء تجاه "الخاسرين" الذين صدمهم مرارا وتكرارا، لكنه يتحدث لغة القومية الأمريكية بطلاقة وبتأثير كبير. والحجة الموضوعية لاستبدال ترامب ساحقة، فقد أخطأ في المهمة الأكثر أهمية التي واجهها، جائحة COVID-19، وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة لديها 4 في المائة، فقط، من سكان العالم ولكنها تمثل أكثر من 20 في المائة من جميع الوفيات، أي ما مجموعه أكثر من 200000 قتيلا. لم يكن هذا الفشل مجرد نتيجة لعدم كفاءة ترامب، رغم وجود كثير من ذلك، ولكن كان أيضا نتيجة عمل خداع ساخر.

ندرك الآن أن ترامب كان يعلم أن الفيروس كان خطرا مميتا في أوائل عام 2020 لكنه رفض إخبار الشعب الأمريكي بالحقيقة أو تشجيعه على اتخاذ إجراءات وقائية. وبدلاً من ذلك، ساعد في تحويل الفعل البسيط وغير المؤلم المتمثل في ارتداء قناع من القماش إلى مصدر للجدل السياسي. كما أساء ترامب التعامل مع الاقتصاد القوي الذي ورثه عن الرئيس السابق باراك أوباما. بدلاً من اغتنام فرصة معدلات الفائدة المنخفضة تاريخياً لإطلاق برنامج البنية التحتية الذي وعد به خلال حملته، منح نفسه وأصدقاءه الأغنياء تخفيضات ضريبية كبيرة. أغنياء في البلاد، وهم 1 في المائة، أصبحوا أكثر ثراءً، والطبقات الوسطى والدنيا حصلت على الفتات. عندما ضرب الوباء، أدت إجراءات الطوارئ الضرورية إلى تفجير العجز الفيدرالي أكثر، وتبلغ البطالة الآن 8.4 في المائة.

وقد أظهرت الأحداث في روسيا، والمجر، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وتركيا، وبولندا، وحتى الولايات المتحدة، أن معظم الناس يرون أنفسهم أعضاء في دولة معينة، وليسوا مواطنين في العالم. إنهم يميزون ثقافتهم الخاصة وطرق الحياة التي تعيد إنتاجها، وهم قلقون من أن كثيرا من المهاجرين، أو البيروقراطيين البعيدين، أو الأعداء المتربصين قد يسلبون منهم طريقة الحياة هذه. ولذلك فهم ينجذبون إلى القادة الذين يخبرونهم أنهم التجسيد الحقيقي للأمة، والذين يعدونهم بالدفاع عنهم من أي "آخر" يثير قلقهم.

ليس من المستغرب أن يسارع القادة عديمو الضمير إلى ترسيخ ولاء مواطنيهم من خلال اختراع "آخرين" والمبالغة في المخاطر التي يشكلونها. لذلك، عندما يتحدث "بايدن" عن دور الولايات المتحدة في العالم، من الأفضل له التحدث بطرق تضع مصالح بلاده أولاً والمصالح العالمية في المرتبة الثانية. بدلاً من التأكيد على ما هو جيد للعالم الأوسع، عليه أن يؤكد لماذا سياساته مفيدة للأمريكيين. سيتداخل الهدفان في بعض الأحيان، لكن هذا الأخير يحتاج إلى التأكيد عليه في حملته.

بدلاً من التحذير من مخاطر "الشعبوية والقومية" (كما يفعل موقع حملته على الإنترنت حاليًا)، يحتاج إلى اعتناق القومية الأمريكية ويلف نفسه بالعلم الأمريكي. وعندما يتحدث عن السياسة الخارجية، باختصار، عليه أن يوضح أن أولويته الأولى هي القيام بما هو أفضل للشعب الأمريكي، ليس فقط لأن هذه هي مسؤوليته الرئيسية في النهاية، ولكن أيضًا لأن ذلك ضروري لكسب الأصوات. وقد أعطى الرئيس ترامب منافسه "بايدن" سلاحا قويا يمكنه استخدامه لتحدي تصوير ترامب لنفسه على أنه قومي متحمس.

فالقومية، في جوهرها، تعزز إحساسا قويا بالوحدة بين مجموعة كبيرة من الناس، يشعر الناس وكأنهم جميعًا جزء من أمة ذات هدف مشترك، على الرغم من أن معظم مواطنيهم من الغرباء. في عالم قد يكون في بعض الأحيان شديد الخطورة، فإن الحفاظ على "المجتمع المتخيل" أمر بالغ الأهمية للنجاح والبقاء على الصعيد الوطني. وعلى الرغم من تصويره لنفسه على أنه قومي، فقد أمضى ترامب أربع سنوات في البيت الأبيض يقسم الأمة، ولا يجمعها معا. أصبحت البلاد الآن أكثر استقطابا مما كانت عليه عندما تولى منصبه، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذا الوضع سيتغير إذا أُعيد انتخابه.

ترامب متخصص في إلقاء اللوم ونشر الانقسام، وهو آخر شيء تحتاجه الولايات المتحدة في هذه المرحلة. الأمريكيون بحاجة إلى الوحدة الوطنية. إنهم بحاجة إلى قومية ذكية، وبالتالي، فإن "بايدن" في وضع مثالي لمساعدة قضيته من خلال تذكيرهم بأنهم أفضل حالًا عندما يتَحدون، وأن صياغة شعور جديد بالهدف المشترك والهوية سيكون أولويته القصوى. يحتاج "بايدن" إلى التركيز مثل الليزر على هذه الرسالة والتأكيد عليها باستمرار في الأسابيع المقبلة. مع كل خطاب وإعلان تلفازي، عليه أن يوضح أن عظمة الولايات المتحدة تعتمد على الحفاظ على شعور قوي بالوحدة الوطنية. لا يتطلب الاتحاد أن يوافق الأمريكيون على كل قضية تواجههم، لكنه يتطلب منهم التوقف عن رؤية بعضهم البعض كما لو أنهم أعداء، وأن يديروا ظهورهم لرئيس يعتمد مستقبله السياسي على تقسيمهم أكثر.

ولا يعني أيَ من هذا أن "بايدن" يجب أن يتخلى عن التزامه العميق بنفس القدر بالقيم الليبرالية التقليدية: الديمقراطية وسيادة القانون وحرية التعبير وما شابه، ولكنه يحتاج أيضًا إلى توضيح أنه وطني أمريكي وأن التزامه الأساسي هو تجاه الشعب الأمريكي. خلافا لذلك، فهو يسلم سلاحًا قويًا لترامب، الذي سيستخدمه لصالحه في عام 2020، تماما كما فعل في عام 2016.

قراءة 111 مرات آخر تعديل في الأحد, 27 سبتمبر 2020 10:13