السبت, 21 نوفمبر 2020 17:27

عن "الهيمنة" الأمريكية وانحدارها مميز

كتب بواسطة :

في عام 1939، قبل وقت قصير من الغزو الألماني لبولندا، قام مبعوث بريطاني، اللورد لوثيان، بزيارة البيت الأبيض بطلب غير عادي. أخبر لوثيان الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت أن المملكة المتحدة لم تكن قادرة على حماية العالم من النازيين. وبالتالي فإن "الحضارة الأنجلو سكسونية" سوف تحتاج إلى وصي جديد. أوضح لوثيان أن الصولجان كان يتساقط من أيدي البريطانيين، ويجب على الولايات المتحدة "انتزاعها".

وعلى الرغم من أنه تم تقديمه بشكل غير رسمي ، إلا أنه كان بمثابة دعوة غير عادية. كانت لندن على استعداد للتنحي وترك واشنطن تقود العالم. لكن روزفلت لم يكن مهتمًا. في الواقع، لقد شعر بالإهانة، وكاد أن يفقد صوابه، إذ كيق للبريطانيين أن يرموا أعباءهم في حضنه؟ فقد كان المتداول والمتعارف عليه أن "إنقاذ الحضارة" كان وظيفة بريطانيا.

كان جيش الولايات المتحدة في ذلك الوقت أكبر بقليل من جيش بلغاريا، مع قدرة قليلة على صد القوات المُجتاحة في أوروبا الوسطى. ربما كانت هذه هي المرة الأخيرة التي يكون فيها الرئيس مبتهجًا للغاية بشأن الهيمنة الأمريكية، إذ إن الحرب العالمية الثانية هي التي غيرت عقل روزفلت وعقول كل من حوله تقريبًا.

أقنع سقوط فرنسا عام 1940 قادة الولايات المتحدة بضرورة الدخول في المعركة. في عام 1941، ذهب الناشر هنري لوس إلى أبعد من ذلك واقترح تسمية الحقبة بـ"القرن الأمريكي"، وهو نظام عالمي لما بعد الحرب تقوده القوة العسكرية للولايات المتحدة. كانت فكرة "لوس" مثيرة للجدل في البداية، ولكن بحلول نهاية الحرب بدت كما لو أنها حتمية.

وبحلول ذلك الوقت، كان الجيش الأمريكي الموسع على عجل قد اكتسب موطئ قدم في جميع أنحاء الكوكب، وكانت واشنطن مترددة في التخلي عن هذا التوسع. وكما قال خليفة روزفلت، هاري ترومان، أمام الكونجرس، في أواخر عام 1945: "يجب أن نحافظ بلا هوادة على تفوقنا في البر والبحر والجو". ويسيطر البنتاغون، اليوم، على حوالي سبعمائة وخمسين قاعدة في حوالي ثمانين دولة ومنطقة أجنبية. وحتى حال عدم وجود القوات على الأرض، تحلق الطائرات الأمريكية من دون طيار في سماء المنطقة، وتراقب الناس وتطلق عليهم الصواريخ أحيانًا.

وفقًا لحسابات مكتب الصحافة الاستقصائية، قتلت الولايات المتحدة عددًا أكبر من الأشخاص في السنوات الخمس الماضية بالضربات الجوية أكثر من عمليات إطلاق النار التي قامت بها الشرطة. وحجة هذا المنطق مألوفة: "إذا كان علينا استخدام القوة، فذلك لأننا أمريكا"، أوضحت مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية بيل كلينتون، في صياغة شهيرة: "نحن نقف شامخين ونرى ما هو أبعد من البلدان الأخرى في المستقبل".وغالبا ما أثار هذا التعظيم الذاتي الغرور والإعجاب، ولكن ليس بعد الآن.

من بين الموروث السياسي الذي مزقه دونالد ترامب، في السنوات الأربع التي قضاها رئيسا، فكرة أن الولايات المتحدة تهتم بمصالح الآخرين، وكشف أن أمريكا لا تدعم إلا المصلحة الذاتية الصارخة. لقد ازدرى الاتفاقيات الدولية وجعل فكرة أن الولايات المتحدة قد تكون حكما محايدا في الشؤون العالمية أمرا مثيرا للضحك، على الرغم من أنه بدا أقل تركيزًا على القيادة العالمية من أسلافه. من المؤكد أن جو بايدن، الذي وعد بإنهاء المواقف القاسية والعناية بالحلفاء قد يستعيد بعض التأييد الدولي، لكن هل سيغير انتخابه أي شيء على مستوى أعمق؟ كلا.. أمريكا اضطرت لتقييد نفوذها، بقطع النظر عن الرغبة والقدرة، ومسألة "هيمنتها" ما عادت محسومة ولا حتمية كما كان الحال في العقود الأخيرة، تراجعها لا يُنكر وصعود قوى مزاحمة ما عاد يزعجها كثيرا، المهم أن تُدار التوترات بطرق مُفيدة لها..

قراءة 108 مرات آخر تعديل في السبت, 21 نوفمبر 2020 17:44