الخميس, 21 جانفي 2021 14:06

هروبا من أزمة الحداثة ...التجربة الدينية الجديدة في أمريكا العلمانية مميز

كتب بواسطة :

"دفع فيروس كورونا كثيرا من الناس إلى البحث عن العزاء والتعامل بجدية أكبر مع الدين، لكن هذه التعبيرات الخاصة عن الإيمان، بلغتها التي عفا عليها الزمن وإحساسها بالمباهج التاريخية، هي جزء من اتجاه أوسع، اتجاه يسبق الوباء، ومع ذلك تجعل هذه الأزمة كل شيء أوضح. المزيد والمزيد من الشباب المسيحيين، الذين خاب أملهم من الثنائيات السياسية والشكوك الاقتصادية والفراغ الروحي، مما أصبحت سمات لأمريكا الحديثة، يجد المؤمنون الجُدد العزاء في رؤية الإيمان المناهضة للحداثة. ونظرًا لأن فيروس كورونا وعمليات الإغلاق اللاحقة تلقي بإخفاقات النظام الاجتماعي الحالي بشكل صارخ، فإن الأشكال القديمة من التدين تُقدم لمحة عن المتعالي وراء الحاضر. يسمي الكثير من هؤلاء أنفسهم "المسيحيون الغرباء"، وإن كان ذلك بدافع الدعابة جزئيًا.

ما يشتركون فيه هو أنهم يروا أن العودة إلى أشكال العبادة في المدرسة القديمة وسيلة للهروب من أزمة الحداثة والإيمان الليبرالي الرأسمالي بالفردانية". ما سبق مُقتطف مِن مقال نُشر في مايو 2020، للكاتبة تارا إيزابيلا بيرتون في صحيفة "نيويورك تايمز" بعنوان: Christianity Gets Weird عن مجتمع ديني ناشئ في الولايات المتحدة الأمريكية، وكتبت أن عددًا متزايدًا من الشباب الأمريكيين الجياع روحياً يجدون العزاء في حضور القداس اللاتيني، وترديد الهتافات الغريغورية، وحتى ارتداء الحجاب في الكنيسة، وذكرت أنه بالنسبة لبعض المسيحيين الشباب، كان إيمانهم مرتبطًا بالالتزامات السياسية التقدمية، لكنها مُخيبة للآمال ما دفعهم بإصرار لرؤية إمكانية أن تكن المسيحية "حصنًا ضد أسوأ ما في الحداثة"، حيث تقدم عزاء روحي عن العمل المهين للإنسانية والضربات القاسية تحت وطأة رأسمالية القرن الحادي والعشرين.

أفادت الكاتبة أن حوالي ربع البالغين الأمريكيين يقولون إنهم غير منتسبين دينياً، وبالنسبة لأولئك الذين ولدوا بعد عام 1990، فإن هذا العدد يرتفع إلى ما يقرب من 40% تقريبًا، واحد من كل خمسة أمريكيين نشأ على دين فقد تركه للانضمام إلى صفوف "اللادينيين". و43%، فقط، من البالغين الأمريكيين يطلقون على أنفسهم "بروتستانت"، بانخفاض عن 51 % قبل 13 عامًا، وفقًا لمسح أجراه مركز "بيو" للأبحاث. وتشير الإحصائيات التي أوردتها الكاتب إلى أن "اللادينيين"، كما يُعرفون غالبًا، هم أكبر نسبة في أمريكا، بالإضافة إلى أنهم الأسرع نموًا. ومع ذلك، تجادل بأنه إذا نظرنا أعمق، فسنرى صورة أكثر دقة لهؤلاء الأمريكيين الذين يُفترض أنهم ملحدون، وما يقرب من ثلاثة أرباعهم يؤمنون بنوع ما من السلطة العليا، ويذكر عديد منهم أنهم يمارسون ممارسات يمكن اعتبارها دينية على نطاق واسع، وهي ما تجعل تصنيفهم يدخل تحت صفة “مؤمنين”.

أما "المهجنون الدينيون"، وهم فئة جديدة من الناس الذين يصوغون معتقداتهم بشكل توفيقي، قد يحضر أحيانًا العضو الممثل لهذه الفئة، على سبيل المثال، خدمات في الكنيسة، ويضيء شموع السبت. وتجمع الكاتبة "بيرتون" كل هذه الأنماط من الإيمان والروحانية في القرن الحادي والعشرين تحت مظلة "المزج الديني"، وترى أن القاسم المشترك بين المُعاد خلطهم هو مقاومة المؤسسات والقواعد والمطالب التي تأتي معها، ومع ذلك يظلون منجذبين إلى فكرة الألوهية والتعالي.

وقالت إن المسيحية الهجينة تمثل بديلاً لكل من "الأشكال الأكثر ليبرالية أو محافظة للمسيحية الأمريكية"، وقد لا يكون هذا النهج تجاه المسيحية مثل الأسلوب الأكثر تمثيلًا في وسائل الإعلام الرئيسية، والذي يميل إلى التركيز إما على الإنجيليّة البيضاء المحافظة سياسياً أو ما يعادلها، لكن من المحتمل أن يعكس المستقبل للحياة المسيحية في عصر علماني: رفض روحاني مشبع للثنائي السياسي الأمريكي والإمكانيات المحدودة لثقافة تنكر التعالي. وتُحدد الكاتبة "بيرتون" عاملين جديدين يعززان هذه النزعة الهجينة ("ديانة" الهجينة الجديدة): صعود الرأسمالية الاستهلاكية وظهور الإنترنت. إذ إن النهج الفضفاض لأمريكا الحديثة تجاه الروحانية هو ما يجذب عديدا من الأمريكيين إلى مفهوم أكثر تطلبًا للإيمان. ومع ذلك، فإن الابتكارات التكنولوجية للثقافة الأمريكية الحديثة هي التي تجعل العثور على قبيلتهم الروحية أمرًا ممكنًا.

وتخلص الكاتبة إلى أن الوباء أوضح تمامًا أن كلا من الرؤى الليبرالية والمحافظة للحياة الأمريكية، القائمة على "تحقيق الذات من خلال التحرر لمتابعة رغبات المرء" ليست كافية. واتضح أننا بحاجة إلى بعضنا بعضا، وأن ما أن ما تقدمه المسيحية الهجينة والنماذج الأخرى هو "نسخة من حياتنا المشتركة الأقوى من السعي الفردي لتحقيق الرغبة أو الربح". ليس من الواضح كيف سيبدو العالم عندما ينتهي جائحة الفيروس التاجي أخيرًا. لكن بالنسبة لهؤلاء المسيحيين المُهجنين، تُعتبر هذه الأزمة دعوة للعمل، خاصة أن أتباع الحركة المسيحية الهجينة، مثل عديد من الشباب الأمريكيين، يتميزون بجوعهم لشيء أكثر مما يمكن للثقافة الأمريكية المعاصرة أن تقدمه، وهو شيء متسام، وذو مغزى سياسي، وتحد شخصي، ويتميز بـ"الأصالة"، وتعكس صعود المسيحية الهجينة رغبة أمريكا غير المحققة في شيء حقيقي.

قراءة 138 مرات آخر تعديل في الخميس, 21 جانفي 2021 14:36