الثلاثاء, 13 أفريل 2021 05:35

‫"فوكوياما" يعترف...تركيا أصبحت أكثر قدرة على حسم الصراعات من روسيا وأمريكا مميز

كتب بواسطة :

توقع، قبل حوالي 20 سنة، الباحث والمفكر الأمريكي، من أصل ياباني، فرانسيس فوكوياما (صديق المحافظين الجدد ومرشد الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وصاحب الفكرة الشهيرة السخيفة "نهاية التاريخ") عندما بدأ اللعب بالطائرات من دون طيار لأول مرة، أنه إذا كان بإمكان أي شخص امتلاك طائرة من دون طيار، فهذا سيكون له تداعيات كبيرة على السياسة العالمية.

في ذلك الوقت، كانت تكنولوجيا الطائرات من دون طيار تسيطر عليها إلى حد كبير الولايات المتحدة و"إسرائيل"، لكن لاحظ "فوكوياما"، حينها، أنه من المحتم أن تنتشر على نطاق واسع وتغير طبيعة الصراع بين الدول. وكان الاستخدام المحدد الذي تخيله هو الاغتيالات المستهدفة، لكن المشهد العالمي قد تغير فعلا بواسطة الطائرات العسكرية من دون طيار.

والفاعل الرئيسي في هذا التطور، حسب تقديرات "فوكوياما"، هو تركيا في ظل حكم رئيسها طيب رجب أردوغان. طورت أنقرة طائراتها المحلية من ون طيار واستخدمتها للتأثير في عديد من الصراعات العسكرية الأخيرة: ليبيا، وسوريا، وفي حرب ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، وفي القتال ضد حزب العمال الكردستاني داخل حدودها. وفي خضم هذا التحول العسكري، ارتقت تركيا من كونها قوة إقليمية إلى طرف قادر على حسم الصراعات أكثر من روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة.

وطورت أنقرة طائراتها من دون طيار، بقيادة مصمم الطائرات من دون طيار الذي تلقى تعليمه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، سلجوق بيرقدار. وكان الدافع وراء إنشاء طائرة من دون طيار هو الحظر العسكري الأمريكي في عام 1975، وإحجام واشنطن عن بيع طائراتها المتطورة من طراز بريداتور وريبر. وتبين أن صنيع الطائرات من دون طيار ليس صعبا، وأحدث الطائرات التركية كانت مثيرة للإعجاب، إذ يمكن لطائرة TB2 التركية، محلية الصنع، أن تظل تحلق عالياً لمدة 24 ساعة، ويمكنها أداء مهام الاستطلاع والهجوم.

وظهرت فعالية هذه الأسلحة لأول مرة خارج حدود تركيا في سوريا في مارس 2020، حيث شنت أنقرة هجوماً مدمراً على القوات المدرعة السورية التي كانت تتحرك في محافظة إدلب على طول الحدود، رداً على هجوم سوري مدعوم من روسيا أسفر عن مقتل 36 جندياً تركيا على مقربة من الحدود التركية. ثم في شهر ماي، استخدمت طائرات تركية من دون طيار لمهاجمة قاعدة جوية في ليبيا يستخدمها ما يُسمى "الجيش الوطني الليبي" المدعوم من الإمارات بقيادة خليفة حفتر ، والتي أنهت هجوم الجيش الوطني الليبي على طرابلس. وأخيرًا، خلال حرب نارجورنو كاراباخ في سبتمبر الماضي، حيث تدخلت الطائرات التركية من دون طيار دعما لأذربيجان ضد أرمينيا، ودمرت ما يقدر بنحو 200 دبابة و90 مركبة مدرعة أخرى و182 قطعة مدفعية، مما أجبر أرمينيا على الانسحاب من الأراضي الأذرية، وقد أصبح هذا النصر مصدر فخر قومي في تركيا.

ورأى "فوكوياما" أن استخدام تركيا للطائرات من دون طيار سيغير طبيعة القوة البرية بطرق من شأنها تقويض هياكل القوة التقليدية التي عفا عليها الزمن. فقد اعتمدت القوات البرية المسلحة من النوع الذي هزم العراق مرتين في حربي الخليج 1991 و2003 حول الدبابات، صحيح أن استهداف الدبابات أسهل بكثير من السابق، غير أنه لا يزال يتطلب منصات باهظة الثمن مثل طائرة هجومية ذات دعم وثيق، وهو ما استلزم دفاعات جوية مكلفة للعمل ضد طائرة متطورة للخصم، ولكن الطائرات من دون طيار غيَرت، الآن، هذه الصورة إلى حد كبير لأنها رخيصة نسبيًا، ويصعب هزيمتها، ولا تخاطر بحياة الطيارين البشر.

ولا يزال عديد من النقاد الأمريكيين لسياسة الطائرات الأمريكية المُسيّرة يعتقدون أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" هما المستخدمان الرئيسيان لهذه التكنولوجيا في العالم، ولكن هذه الحقيقة اضمحلت بالفعل وسرعان ما سيزاح الستار عن عالم تصبح فيه الطائرات المُسيّرة أسلحة أساسية في ساحة المعركة. وسوف يتساءل أي شخص عما  سيبدو عليه المشهد العالمي بعد عشر سنوات.

وتتدافع الجيوش في جميع أنحاء العالم الآن لمعرفة كيفية الدفاع عن نفسها ضد الطائرات من دون طيار، وليس من الواضح من سيفوز في سباق التسلح بين الطائرات من دون طيار والإجراءات المضادة لها، لكن من الممكن أن يكون العالم قد شهد آخر معركة ضخمة بالدبابات خلال حرب العراق عام 2003.

- رابط المقال الأصلي: https://www.americanpurpose.com/blog/fukuyama/droning-on/

** ما عادت القوى الغربية المهيمنة تفرض قواعدها ومنطقها وتملي سياساتها كما كانت سابقا، فأمريكا تراجعت وتأثيرها يقل تدريجيا، وأوروبا العجوز في أسوإ فتراتها، تأثيرا وقدرة، وفرنسا تصارع من أجل الحفاظ على نفوذها وهيمنتها على مستعمراتها السابقة...

وأمام هذه التحولات الكبرى، تنزع بعض الدول، التي كانت يوما ما ضعيفة أو خاضعة، نحو مزيد من الاستقلالية، ومن أهمها تركيا، وفرضت نفسها على الساحة العالمية، صحيح أن أمريكا غضت الطرف عنها أو هي مستفيدة من صعودها للحد من تأثير وتوسع روسيا والقوى المنافسة لها، لكن أيضا لأن أمريكا والغرب عموما في تراجع وانكماش، فلا هي راغبة ولا هي قادرة على مغامرات وتورط في مستنقعات جديدة، بسبب قضايا الداخل وعبء التوسع الخارجي، الذي ما عاد يطيقه ويتحمل أعباءه، فليس في السياسات والتحولات حتمية تاريخية، وفرنسا تغرق في مالي والساحل، وأمريكا تفاوضت مع ألد أعدائها "طالبان" في أفغانستان منعا لمزيد تورط واستنزاف، والقوة تضمحل مع مرور الزمن وتتراجع، وتركيا فهمت السنن التاريخية وصنعت لها مسارا مستقلا وفرضت نفسها، وبدأته بشرعية سياسية للحكم وتحييد للمؤسسة العسكرية عن القرار وإنجاز اقتصادي أخرج تركيا من عصر الظلمات والانحطاط والتخلف والتبعية..

قراءة 176 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 13 أفريل 2021 10:02