السبت, 23 أكتوير 2021 10:52

من سايغون إلى كابول...نصف قرن من المغامرات الأمريكية مميز

كتب بواسطة : مراسل حرب أمريكي مخضرم

يتذكر مراسل حرب مخضرم (HDS Greenway الذي وُلد في بوسطن عام 1935، وتلقى تعليمه في ييل وأكسفورد وهارفارد، كان صحافيا في عدة صحف أمريكية، وهو مؤلف كتاب "المراسل الأجنبي")، الجهل وسوء التقدير والاستثناء والغطرسة في جميع تدخلاتنا. منذ ما يقرب من نصف قرن، شاهدت الجيش الفيتنامي الجنوبي، وهو جيش تم تدريبه وتجهيزه من قبل الولايات المتحدة، يتلاشى ببساطة أمام جيش فيتنام الشمالية الأقل تجهيزًا ولكنه أفضل إقداما وتحفيزا. فرَ الفيتناميون الجنوبيون في حالة ذعر قبل الهجوم الشمالي الأخير. رأيت جنودًا يخلعون زيهم العسكري ويهربون بملابسهم الداخلية. كانت المدن تسقط قبل أن يتمكن الفيتناميون الشماليون من الوصول إلى هناك.

في النهاية، اضطررت إلى مغادرة المقاطعة على عجل بطائرة هليكوبتر من السفارة الأمريكية، حيث كانت شوارع سايغون تغلي بالناس المذعورين الذين تركناهم وراءنا. في عام 2014، قام جيش عراقي آخر مدرب ومجهز بحزم أمتعته وهرب أمام "تنظيم الدولة" (داعش) الأقل تجهيزًا ولكن الأفضل اندفاعا عندما هاجم الموصل. وفي أغسطس الماضي، مرة أخرى، تلاشى جيش أفغانستان المدرَّب والمجهز بالمعدات الأمريكية أمام حركة طالبان الأقل تجهيزا ولكن الأفضل عزيمة وصمودا. هناك علاقة واضحة بين هذه الكوارث.

لقد اتضح لي خلال زياراتي لبغداد وكابول أن أمريكا لم تتعلم دروس فيتنام. كان هناك عنصر قوي من الغطرسة في السياسة الخارجية الأمريكية. شرح الموقف بوضوح جيد الباحث "ستيفن والت" الأستاذ في جامعة هارفارد الأمر عندما كتب أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي "بدلا من الدفاع (أمريكا) عن شواطئها، وتعظيم الرخاء والرفاهية في الداخل، سعت واشنطن إلى إعادة تشكيل البلدان الأخرى على صورتها الخاصة ودمجها في المواقف والترتيبات من تصميمها الخاص". اسمحوا لي أن أتراجع لحظة وأضع هذا في سياق تاريخي أكبر. ما وصفه "والت" هو ما فعلته دائما القوى الاستعمارية. لطالما ألبس البرتغاليون والإسبان طموحاتهم الاستعمارية رداء الإنقاذ والخلاص، وتحويل الوثنيين إلى المسيحية، وجعل الناس الذين غزوهم أكثر شبهاً بهم.

في وقت لاحق، ادعى الفرنسيون دائمًا أن مهمتهم الاستعمارية هي "الحضارة"، لجعل الشعوب المحتلة أشبه بالفرنسيين. وزعم البريطانيون أيضًا أنهم كانوا يجلبون القانون والنظام والتنوير إلى ما أسماه روديارد كيبلينج "الأشخاص الجدد الذين تم القبض عليهم، أناس متجهَمون، نصفهم شيطان ونصفهم طفل"، كانت هذه قصيدته لتشجيع الأمريكيين على "تحمل عبء الرجل الأبيض" والانضمام إلى نادي الإمبراطورية بعد استيلائنا على الفلبين. عندما تلاشى انتشار المسيحية بوصفها قضية إمبراطورية، بدأ الأمريكيون في التركيز على نشر الديمقراطية لجعل البلدان الأخرى أكثر شبهاً بنا في كثير من الأحيان: الديمقراطية من فوهة البندقية. بينما رأينا، بمنظورنا، حرب فيتنام على أنها معركة ضد الشيوعية، فقد كنا في نظر عديد من الفيتناميين مجرد محتل أجنبي آخر، نسير على خطى الفرنسيين. لم نفهم أن النضال ضد الاستعمار بالنسبة لكثيرين، وربما لمعظم الناس في العالم، كان أكثر أهمية من الصراع بين الشيوعية والرأسمالية.

وبالمثل، بينما رأينا أفغانستان من منظور محاربة التطرف الإسلامي، رأى كثير من الأفغان في المواجهة صراعا ضد محتل أجنبي آخر لا يختلف عن الروس، وقبلهم البريطانيين. كما هو الحال في فيتنام، لا يمكن لعملائنا الأفغان التشبع بالقومية. لا يمكن لحلفائنا الفيتناميين الجنوبيين أن يهزوا صورة الدمى الأمريكية. وبالمثل، ظهر شركاؤنا الأفغان دائما على أنهم دمى أمريكية.

الرابط الثاني بين كوارث فيتنام وأفغانستان كان الفساد. لا يمكننا أبدا كبح جماح الفساد، وفي أفغانستان ساهمنا فيه بإغراق البلاد بأموال أكثر مما يستطيع الاقتصاد استيعابها. استنزف الفساد الدعم للحكومة. شاهد صديق في أثناء عملية مع الجيش الأفغاني ضباطا يطلبون رشاوى من القرويين الذين كانوا من المفترض حمايتهم. الرابط الثالث بين الكارثة الأفغانية وفيتنام هو أن قلة قليلة من الأمريكيين كلفوا أنفسهم عناء تعلم تاريخ وثقافة البلاد.

غالبا ما كان هذا بسبب الشعور بالاستثنائية الأمريكية. سألت ضابطا أمريكيا كبيرا في فيتنام عما إذا كان قد قرأ عن التجربة الفرنسية في فيتنام. قال: لا، فلماذا أفعل، هم خسروا ونحن لم ننهزم؟ واعترف هذا الضابط بعد الحرب بأنه لم يفهم ثقافة وتاريخ الفيتناميين، لكن أدرك ذلك متأخرا، بعدما خسرنا الحرب. وكان غزو العراق نتيجة تفكير سحري بين المحافظين الجدد. لقد اعتقدوا أنهم إذا تمكنوا من تحويل العراق إلى شيء يشبه أمريكا، فإن "الشرق الأوسط" بأكمله سوف يحذو حذوه، وستنهار الأنظمة الاستبدادية وتصبح ديمقراطيات على الطراز الأمريكي. هنري كيسنجر، الذي كان في الأصل مؤيدا لحرب العراق، كتب لاحقا أن السعي إلى فرض القيم الأمريكية عن طريق الاحتلال العسكري في جزء من العالم حيث ليس لديهم جذور تاريخية، وتوقع حدوث تغيير سياسي أساسي في فترة زمنية ذات صلة بالسياسة: "تجاوز ما قد يدعمه الجمهور الأمريكي وما يمكن أن يستوعبه المجتمع العراقي".

قابلت السفير الروسي في كابول. كان في الإدارة السوفيتية أثناء الاحتلال السوفيتي، وعُين سفيرا في كابول أثناء الاحتلال الأمريكي. قال إننا نحن الأمريكيين نرتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبه الروس. رابط آخر بين أفغانستان وفيتنام كان خداع أمريكا للذات، أو كما يسميها البعض، الأكاذيب. في فيتنام، كان هناك دائما ضوء في نهاية النفق. كنا دائما ننتصر في الحرب. أصبح الأمر سخيفا لدرجة أننا أطلقنا على الإيجاز الرسمي "حماقات الساعة الخامسة" بعد الساعة التي يُطلع فيها الجيش الصحافة كل يوم. وجدت الشيء نفسه في أفغانستان. كنا دائمًا "ندير الزاوية"، وكنا دائمًا في طريقنا لكسب الحرب. ربما كان جيشنا يعلم أن الحروب ميؤوس منها، لكن لم يكن على وشك الاعتراف بذلك. كانت الهزيمة غير مقبولة. القول المأثور: "الصعوبة ستتم على الفور، المستحيل سيستغرق وقتًا أطول قليلاً" متأصل في الجيش. ولكن الحقيقة أنه لا يمكن إنجاز المهمة التي حُددت لنا.

عندما كنت في بغداد التقيت بالجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة فيما بعد، وكان مسؤولا عن تدريب الجيش العراقي، قال إنه من السهل نسبيا تدريب الرجل على القتال، ومن الصعب إتقان الخدمات اللوجستية، والحفاظ على تغذية الجيش وتزويده بالذخيرة، لكن ما لا يمكننا فعله هو أن نغرس في العراقيين الدافع للقتال، العراقيون هم وحدهم من يستطيعون فعل ذلك لأنفسهم. شعرت أيضا أننا في كل من أفغانستان وفيتنام نجهز عملاءنا لخوض حروب معقدة كبيرة، وليس حروب المشاة الخفيفة التي كان خصومنا يخوضونها. لقد أنشأنا تبعية لم يكن من الضروري أن تكون كذلك. وصُدمت حقًا عندما قرأت أنه بعد 20 عاما، كان الأفغان لا يزالون يعتمدون تمامًا على المتعاقدين الأمريكيين لخدمة طائراتهم. ألم يكن بإمكاننا تدريب الأفغان لخدمة طائراتهم؟. أما بالنسبة للأفغان، فكانوا سادة الميدان.

عندما سقط سايغون وانتهت حرب فيتنام، قال س. راجاراتمان، وزير خارجية سنغافورة وصديق عظيم لأمريكا، إن المعنى الحقيقي لنهاية الحرب لم يكن انتصار الشيوعيين، ولكن لأول مرة منذ 400 عام لم تكن هناك جيوش أجنبية في جنوب شرق آسيا. ربما يُقال شيء مشابه حتى من قبل أصدقاء أمريكا الآن بعد أن خرجنا من أفغانستان.

قراءة 75 مرات آخر تعديل في السبت, 23 أكتوير 2021 13:59