الثلاثاء, 23 نوفمبر 2021 06:23

كيف تورط الجيش الفرنسي في قصف وقتل مئات المصريين في عملية "سيرلي"؟ مميز

كتب بواسطة :

حصل موقع "ديسكلوز" Disclose الفرنسي الإلكتروني المتخصص في الكشف عن فضائح الجيوش الفرنسية، على مئات من وثائق "الدفاع السري" التي تكشف انتهاكات عملية عسكرية سرية قامت بها فرنسا في مصر، وتواطؤ الدولة الفرنسية في قصف المدنيين، إذ تورطت المخابرات الفرنسية في ما لا يقل عن 19 هجوما ضد المدنيين المصريين، وذلك بتقديمها معلومات استخبارية تستخدمها السلطات المصرية -بعلم من باريس- لاستهداف مهرّبين على الحدود المصرية الليبية، وليس لاستهداف مسلحين كما كان متوقعا. وأبانت الوثائق عن اختطاف مصر هذا التعاون المخفي عن الجمهور لصالح حملة إعدامات تعسفية، وهي جرائم دولة أُبلغ بها الرئيسان فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، بعده، ولكن من دون جدوى. في صباح يوم السبت 13 فبراير 2016، عبرت حافلة بوابة القاعدة العسكرية لمرسى مطروح الواقعة على بعد 570 كيلومترا من القاهرة. توقف المركبة أمام ثكنة، نزل 10 عسكريين فرنسيين وصلوا مصر قبل أيام بتأشيرات "سياحية".

واندفعت المجموعة، التي سبقها جنود مصريون، إلى مبنى بمعدات بدائية، سيكون هذا مقرهم، مركز القيادة لعملية عسكرية سرية فرنسية في مصر، والاسم الرمزي: سيرلي. وُلد مشروع مهمة سيرلي في 25 جويلية 2015. في ذلك اليوم، سافر جان إيف لودريان، وزير دفاع فرانسوا هولاند آنذاك، إلى القاهرة برفقة مدير المخابرات العسكرية الجنرال كريستوف جومارت. هناك التقى بنظيره المصري، وزير الدفاع المصري، صدقي صبحي في "سياق ملائم للغاية (...) بناءً على النجاح الأخير لعقود رافال وفرقاطات FREMM"، إذ اشترت مصر 24 طائرة مقاتلة من طراز رافال وسفينتين حربيتين مقابل 5.6 مليار يورو.

وكان على رأس جدول أعمال الاجتماع: تأمين 1200 كيلومتر من الحدود مع ليبيا وسط حالة من الفوضى. الوزير المصري تحدث عن "الحاجة الملحة" إلى عمليات استخبارية جوية. وتعهدت فرنسا بـ"تعاون فوري" ضمن مهمة غير رسمية تقودها إدارة المخابرات العسكرية، ضمن ما وصف بـ"مناورة عالمية ضد الإرهاب". في مهمة ميدانية، يرافق الفرنسيين ضابط مصري، وهذا الأخير مسؤول عن الاستماع المباشر للمحادثات التي تم اعتراضها. ما يجب فعله هو مراجعة البيانات التي جُمعت من أجل تقييم حقيقة التهديد وهوية المشتبه بهم. لكن سرعان ما أدرك الفريق أن المعلومات الاستخبارية المقدمة للمصريين كانت تستخدم لقتل المدنيين المشتبه في قيامهم بالتهريب. وقد نبّه فريق "سيرلي" رؤساءه إلى هذه التجاوزات أكثر من مرة لكن "من دون جدوى على الرغم من العديد من الأخطاء الفادحة في هذا المجال"، بل إن "القوات الفرنسية شاركت في ما لا يقل عن 19 هجوما على المدنيين بين عامي 2016 و2018″، حسب الوثائق التي اطلع عليها موقع ديسكلوز.

وفي نهاية نوفمبر 2017 أظهرت مذكرة أُرسلت إلى الرئاسة الفرنسية أن القوات الجوية شعرت بالقلق بشأن تجاوزات العملية، ولكنها تعللت بأن وسيلة التقييم الوحيدة المتاحة هي التحليق الأولي الذي يقومون به. وجاء في مذكرة أخرى بتاريخ 22 يناير 2019 أُرسلت إلى وزيرة القوات المسلحة فلورنس بارلي، قبل زيارة رسمية لمصر مع الرئيس إيمانويل ماكرون، أن هناك "حالات مؤكدة لتدمير أهداف اكتشفتها الطائرات الفرنسية"، وأن "من المهم تذكير الشريك بأن طائرات المراقبة ليست أداة استهداف"، ومع ذلك لم يتم التحفظ على مهمة البعثة ولم تراجع الاتفاقيات بشأنها، وما زال "الجيش الفرنسي منتشرا في الصحراء المصرية".

في 21 سبتمبر 2016، أقلع رجال "سيرلي" من مرسى مطروح على متن طائرة الاستطلاع الفرنسية ميرلين 3. بعد التحليق فوق الصحراء لعدة ساعات، رصدوا قافلة صغيرة تسير بسرعة عبر الكثبان الرملية. ينقلون موقعهم إلى زملائهم العسكريين الفرنسيين على الأرض الذين ينقلونها إلى القوات الجوية المصرية. لتصل طائرة سيسنا 208 المصرية إلى المنطقة بعد فترة وجيزة. بعد مرور 43 دقيقة، عندما حلقت فوق المنطقة مرة أخرى، اشتعلت النيران في السيارة. بعد أيام قليلة من الغارة، أعلن الجنود المصريون أنهم دمروا ثماني شاحنات صغيرة وركابها المشتبه بهم من المهربين، وبتحديد موقعهم، تبين أن الدولة الفرنسية متواطئة في الإعدام التعسفي. وتأكد للفرنسيين أن الطرق التي يراقبونها جويا مرتبطة بشكل أساسي بتهريب البدو البسطاء مع الحدود الليبية، ولا علاقة لهؤلاء بأي تنظيم أو نشاط مسلح، لكن، كما نبَهت مذكرة فرنسية سرية، فإن ضرب البدو سيدفهم في النهاية إلى الانضمام إلى "داعش".

وكان واضحا أن عقود التسليح أهم بالنسبة إلى الإليزيه من الأرواح البريئة للمئات من المصريين، إذ تعدّ مصر السيسي أحد المشترين الرئيسيين للمعدات العسكرية الفرنسية، خاصة بعد انقضاض عبد الفتاح السيسي على السلطة عام 2013، فقد اشترى بين 2014 و2016 طائرات رافال وفرقاطة و4 طرادات وحاملتي مروحيات، كما تقول الصحيفة. وفي ديسمبر 2020 استقبل إيمانويل ماكرون الرئيس السيسي وقدم له وسام جوقة الشرف الكبير، وهو أعلى وسام فخري فرنسي، فأثار ذلك غضبا على شبكات التواصل الاجتماعي، لتقديم هذا الوسام السامي لرئيس بلد تتهمه المنظمات غير الحكومية بانتهاك حقوق الإنسان واستخدام السلاح ضد المدنيين.

قراءة 82 مرات آخر تعديل في الخميس, 25 نوفمبر 2021 09:47