الأربعاء, 05 جانفي 2022 09:56

هل سيكون القرن 21 عصر الصين متجاوزة أمريكا؟ مميز

كتب بواسطة :

يرى "هنري كيسنجر" أن المنافسة الأمريكية مع الصين أقل خطورة وأكثر تعقيدا من الصراع السوفييتي. وفي هذا أوضح قائلا: "كنا نتعامل مع عالم ثنائي القطب...والآن نحن نتعامل مع عالم متعدد الأقطاب. إذ إن مكونات النظام الدولي أكثر تنوعًا بكثير، ومن الصعب التحكم في تشكيلاتها". مع تصاعد التوترات حول التجارة والتجسس والأمن، يتصارع القادة في واشنطن وبكين لتحديد من سيهيمن على القرن الحادي والعشرين، لكن يبدو أن لا هيمنة فيه لقطب على آخر، وإنما هو أقرب إلى عصر التزاحم والمنافسة الإستراتيجية.

تستعدَ الصين لتكون المؤثر الأكبر في تحولات القرن الحادي والعشرين، تمامًا كما أثرت الولايات المتحدة في القرن العشرين، لكن من المستبعد أن يكون القرن 21 قرن الصين، فعلى الرغم من نموها السريع لبعض الوقت، لكنها تواجه عقبات كبيرة، ليس أقلها شيخوخة السكان والحكم الخانق للنظام الحاليَ، فالحكومة بالغت في سياسة التحكم والسيطرة والرقابة على المجتمع وخنقه سياسيا.

في جامعة بكين للتكنولوجيا، استخرجت الإدارة البيانات من بطاقة الهوية لمعرفة من أكل ماذا في قاعة الطعام، ومن ثم تقديم إرشادات هادفة لإتباع نظام غذائي صحي. في الأسابيع الأخيرة، قامت السلطات بتضييق الاتصال الإلكتروني بالعالم الخارجي، وحظرت تحليق الطائرات من دون طيار والطائرات الورقية والحمامات الأليفة. "المنافسة الإستراتيجية" بين الولايات المتحدة والصين ليست، في جوهرها، مواجهة بين أيديولوجيات متناحرة بقدر ما هي صدام مألوف بين قوة مهيمنة ومنافستها. يبدو من المعقول المراهنة على أنه على الرغم من أن الصين ستستمر في تضييق الفجوة في معظم أبعاد القوة في العقدين المقبلين، فإنها ستفشل في النهاية في تجاوز أمريكا، ولكن الصين التي وصلت إلى شبه التكافؤ ستكون مع ذلك خصما جغرافيا سياسيا هائلا.

تبنت أمريكا إستراتيجية لإحباط صعود الصين، وظهرت حرب تجارية لإجبار سلاسل التوريد العالمية على الانتقال من الصين وحرب تكنولوجية لخنق تدفق التقنيات والمعرفة المهمة إلى الصين. لكن هذه الإستراتيجية لن تؤدي إلا إلى إبطاء تقدم الصين، وليس إيقافها. لا يزال لدى الصين زخم اقتصادي قوي نسبيا في العقد القادم. يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي حوالي 70٪ من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بأسعار صرف السوق (وهو بالفعل أكبر من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا في تعادل القوة الشرائية). ومع ذلك، فإن الدخل الصيني للفرد، الذي يزيد قليلا عن 10000 دولار في السنة، يمثل حوالي سدس مستوى معيشة الأمريكيين. هذا يعني أن الصين لديها مجال أكبر بكثير للنمو، بفضل سوقها الداخلي الضخم، وقطاعها الخاص الحيوي ومجموعة عمالها الهائلة. ستحقق الصين أيضا تقدما كبيرا، وإن كان أبطأ، في قطاع التكنولوجيا، على الرغم من القيود الأمريكية.

تعهدت بكين بإجراء استثمارات ضخمة في العلوم والتكنولوجيا لتقليل ضعفها. ومع وجود ملايين العلماء والمهندسين الموهوبين المدربين تدريبا جيدا، واستثمار تريليونات الدولارات في البحث والتطوير في العقد المقبل، ينبغي أن تكون الصين قادرة على اكتساب قدرات تكنولوجية أكبر. حتى وقت قريب، كان التنفيذيون في "وادي سيليكون" يميلون إلى التقليل من إمكانات الصين في مجال التكنولوجيا، بحجة أن الضوابط الصارمة في السياسة والتعليم من شأنها أن تقيد الابتكار الراديكالي. لكن هذا الرأي لم يعد سائدا.

وبمقتضى خطة تسمى صنع في الصين 2025، وجهت بكين مليارات الدولارات في شكل إعانات وأموال بحثية لمساعدة الشركات الصينية على تجاوز المنافسين الأجانب في صناعة التقنية، مثل السيارات الكهربائية والروبوتات، وهذا ما دفع الكونغرس الأمريكي، في 2018، إلى تشديد القواعد بشأن الاستثمار الأجنبي وضوابط التصدير. قبل خمسة وعشرين عاما، كان اقتصاد الصين أصغر من اقتصاد إيطاليا، وهو الآن يبلغ حجمه أربعة وعشرين ضعف ما كان عليه في ذلك الوقت، ويحتل المرتبة الثانية بعد أمريكا، وتقلصت نسبة الصينيين الذين يعيشون في فقر مدقع إلى أقل من واحد في المائة. صحيح أن النمو تباطأ، في الفترة الأخيرة، بشكل حاد، لكن لا يزال في البلاد جحافل من المواطنين يتنافسون على دخول الطبقة الوسطى.

وقد مكّنت إستراتيجية "احتواء الصين" التي تبنتها أمريكا منذ سبعينيات القرن الماضي من إقامة أكبر علاقة تجارية بين أي دولتين في العالم، مع وجود ما يقدر بسبعين ألف شركة أمريكية تمارس أعمالها في الصين اليوم. ويمثل الطلاب الصينيون، اليوم، أكبر مجموعة من الطلاب الجامعيين الأجانب في أمريكا. وافتتحت مايكروسوفت مركز أبحاث يضم خمسمائة شخص في بكين، وهو أكبر مختبر لها خارج الولايات المتحدة.

بعد نصف قرن من قيادة "هنري كيسنجر" للمفاوضات السرية التي جلبت الرئيس الأمريكي نيكسون إلى الصين، لا يزال (كيسنجر) يلتقي بالقادة في بكين وواشنطن. في سنَ السادسة والتسعين، توصل ثعلب السياسة الأمريكية إلى الاعتقاد بأن الجانبين يسقطان في دوامة التصورات العدائية، محذرا: "الطريقة التي تدهورت بها العلاقات في الأشهر الأخيرة ستغذي، على كلا الجانبين، الصورة بأن الآخر هو خصم دائم". بحلول نهاية عام 2019، كانت مؤسسة واشنطن قد تخلت تماما عن التعامل مع الصين. لكن لم تكن هناك إستراتيجية لاستبدالها بعد.

والاحتواء ما عاد خيارا اليوم، إذ إن الصين، حاليَا، دولة غنية ومتشابكة للغاية مع الاقتصاد الأمريكي. وثمة مفكرون وخبراء أمريكيون منزعجون من القلق الأمريكي تجاه الصعود الصيني أكثر مما يثيره صعودها من هواجس، ويرون أن قادة البلدين متسرعون ومتصلبون، إذ بينما تريد الولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها وتحقيق التوازن التجاري، تسعى الصين، قبل كل شيء، إلى توسيع قوتها في شرق آسيا، كما فعلت ألمانيا في أوروبا منذ أكثر من قرن مضى. ولا يكمن الضرر، عند هؤلاء الباحثين، في استعادة الصين لمكانتها التاريخية في شرق آسيا، ولكن عندما تحدث هذه الأنواع من التغييرات بسرعة كبيرة، أو عندما يبالغ الساسة الأمريكيون في رد فعلهم، يمكن أن تكون النتائج كارثية.

ويبقى القلق الداخلي للحكم الصيني مؤثرا أكثر في صعودها، ففي بيكين العاصمة ارتقى هاجس الأمن والسيطرة إلى مستوى دين الدولة. يرى القادة الصينيون، مع كل ما يُظهرونه من ثقة، خطرا في كل مكان: اقتصاد غير مستقر، وشيخوخة السكان، وثورة على غرار الربيع العربي في هونغ كونغ، وتمرد أحد المكونات الاجتماعية. في عام 2018، تجاوزت الصين الاتحاد السوفيتي باعتبارها الدولة الشيوعية الأطول بقاء في التاريخ، وهو تمييز يغذي الفخر وهاجس الخوف من المستقبل، معا. ولهذا يعتقد الحزب الشيوعي الحاكم أنه إذا تراجعت خطوة إلى الوراء، فإن كل شيء سينهار، وهذا الانغلاق والتصلب أكثر ما يؤثر في مسار الصعود الصيني العالمي.

وأما أخطر الحدود بين القوة الصينية والأمريكية، اليوم، فهي التضاريس المتنازع عليها في غرب المحيط الهادئ: تايوان، وبحر الصين الجنوبي، وسلسلة من المياه الضحلة والجزر غير المألوفة للجمهور الأمريكي. في بحر الصين الجنوبي، تحتج الولايات المتحدة على مزاعم الصين من خلال نشر سفن حربية وطائرات نفاثة بالقرب من الجزر الاصطناعية، بينما تحاول السفن والطائرات الصينية إخافتها. فمنذ سنوات، كانت بكين تطمح إلى السيطرة على بحر الصين الجنوبي من أجل الموارد الطبيعية والتضاريس الإستراتيجية. لكن تبقى الحرب التجارية هي الإشارة المنذرة أكثر بمآل سيء.

ربما الخيار المُمكن مستقبلا في الصراع بين أمريكا والصين هو التعايش غير المستقر القائم على الرغبة المتبادلة في التهدئة مع الردع، تجنيا للكارثة.. كل يعترف بالآخر ويتكيف مع وجوده. السيطرة المفرطة والتجاهل يصنعان حالة حرب. يبدو أن عهد "إما نحن أو هم" قد انحسر وتراجع باتجاه "نحن وهم"، التزاحم صنع تعدد مراكز القوى والتحكم ما عاد مُمكنا...نعيش اليوم عالما تتزاحم فيه القوى الصاعدة والقوى التقليدية، والتأثير أكثر تنوعا، ومن الصعب التحكم في موازين القوة..إذ إن زمن الاستفراد ولَى والتحكم ما عاد مُمكنا، والتزاحم صنع حالة من تعدد مراكز القوة..

قراءة 151 مرات آخر تعديل في الأحد, 09 جانفي 2022 18:12