الخميس, 30 جوان 2022 10:56

صراعُ السلطة والانقسام المُسلح في ليبيا...الميلشيات: الولاء لمن يدفع أكثر مميز

كتب بواسطة :

أعاد عبد الحميد دبيبة (الذي شكَل حكومة الوحدة الوطنية في ربيع 2021) وباشاغا (وزير الداخلية السابق، والمشرف على الإدارة المنافسة لفتحي باشاغا، الذي حاول ثلاث مرات منذ مارس الماضي الاستيلاء على السلطة في طرابلس) ليبيا إلى حالة الانقسام بين الإدارات المتنافسة التي كانت سائدة منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2014 وحتى تشكيل حكومة "دبيبة" العام الماضي.

ظهر الانقسام المتجدد بعد إلغاء الانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر 2021، مما أدى إلى غرق آمال الليبيين في انتهاء أزمة الشرعية المُستحكمة في البلاد. أدت الخلافات حول أهلية المرشحين للرئاسة إلى إلغاء الانتخابات. ومن بين هؤلاء دبيبة، الذي كان قد وعد بأنه لن يترشح عندما أصبح رئيسا للوزراء، وسيف الإسلام، نجل معمر القذافي، الذي حكم عليه بالإعدام في طرابلس ويواجه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، وأمير الحرب الجنرال خليفة حفتر، الذي تواصل قواته السيطرة على شرق البلاد ووسطها على الرغم من هزيمتهم في جوان 2020 بعد حملة وحشية استمرت عامًا للاستيلاء على السلطة في طرابلس بالقوة. عندما برز دبيبة وسيف الإسلام بشكل غير متوقع على رأس قائمة المرشحين لرئاسة ليبيا، قرر مرشحون آخرون أن مخاطر الخسارة كبيرة للغاية ودفعوا وراء الكواليس لإلغاء الانتخابات. وكان من بينهم حفتر وباشاغا، هذا الأخير كان وزيرا للداخلية وشخصية رئيسية في مقاومة هجوم حفتر على طرابلس.

لكن بعد أن حُرم "دبيبة" من أي فرصة للفوز في الانتخابات، تحالف الخصمان السابقان (باشاغا وحفتر) لتشكيل حكومة منافسة جديدة وإخراج دبيبة من السلطة. وهذا التحالف المناهض لدبيبة لم يكن مبادرة روسية، وإنما ترعاه مصر وفرنسا، ودعمته موسكو، وأما الإمارات، فلا تزال تتمتع بعلاقة قوية مع كل من حفتر في بنغازي وبعض قادة الميلشيات المسلحة في طرابلس. مثل دبيبة، ينحدر باشاغا من مصراتة، وهي مدينة ساحلية تضم بعض أقوى الجماعات المسلحة في غرب ليبيا والتي تعارض بشدة حفتر. وبينما وجد اتفاق باشاغا مع حفتر عددا قليلا من المؤيدين في مصراتة، فقد سعى للتعويض عن ذلك بتجنيد مجموعات مسلحة مختلفة من طرابلس والزاوية والزنتان التي حاربت أيضا حفتر، لكنها انقلبت مؤخرًا على دبيبة بسبب الخلافات حول المناصب والميزانيات.

في غضون ذلك، يُصنِّف دبيبة نفسه الآن على أنه زعيم صوري للقوات المناهضة لحفتر. وأما "باشاغا، فانتهى به الأمر إلى رئاسة إدارة موازية، لكنه فشل في تقديم بديل مُقنع. وشكل باشاغا، مثل دبيبة، حكومة تضم ما يقرب من 40 حقيبة وظيفية تتمثل مهمتها الأساسية في السماح للفصائل بإثراء نفسها، وأوكل وزارتي الداخلية والخارجية لشخصيات سيئة السمعة. أضعف غياب الاعتراف الدولي يد "باشاغا" في محاولة إقناع الجماعات المسلحة في طرابلس لتسهيل استيلائه على السلطة. والأهم من ذلك كله، أن "باشاغا" قد أعاقته اعتماده المفرط على الجنرال المتمرد حفتر. وأدى منح حفتر نصيب الأسد من الحقائب الوزارية إلى تقييد ما يمكن أن يوزعه باشاغا على الفصائل الليبية الغربية، وبعبارة أخرى، على الجماعات التي تسيطر على الأراضي داخل العاصمة وحولها. واستغل قادة الميليشيات المنافسة بين رئيسي الوزراء بعرض بيع دعمهم لمن يدفع أكثر، ولم يكن باشاغا يقدم أكثر من الوعود.

ويميلُ، الآن، معظم قادة الجماعات المسلحة التي قاتلت ضد حفتر إلى أنه لا يمكن التوصل إلى حل سياسي من دون "باشاغا"، لكنهم يرون أن حكومته منحت حفتر نفوذاً أكثر مما ينبغي، مما مهد الطريق أمامه للاستيلاء على السلطة الشاملة واستمرار هجومه على طرابلس بوسائل أخرى. لكن المعسكر المناهض لباشاغا يفتقر إلى الأفكار حول كيفية المضي قدما. والشعبية التي كان يتمتع بها "دبيبة" العام الماضي قد ولت منذ زمن بعيد، وفقد مكانته مُحاورا رسميا للقوى الأجنبية في طرابلس، ولديه صعوبات كبيرة في الوصول إلى أموال الدولة، فمعظم الصكوك التي سلمها إلى الميلشيات المسلحة لشراء الولاء لم تتم تسويتها في الأشهر الأخيرة، منذ أن شدد محافظ البنك المركزي قيود الخزينة.

وبالنسبة إلى الجنرال حفتر، فإن دعم حكومة "باشاغا" له فوائد حتى لو لم تستطع تولي السلطة في طرابلس، إذ إن جعل الميلشيات المسلحة الليبية الغربية تقاتل بعضها بعضا يصب في مصلحة حفتر، وقد تسمح له باستعادة موطئ قدم في المنطقة. وكثيرا ما يقلل المراقبون الليبيون والدبلوماسيون من خطر هذه التوترات المتزايدة بالاطمئنان إلى أن الليبيين قد سئموا الحرب. ولا تعتبر الجزء الأكبر من الميلشيات المسلحة الليبية الغربية أن الصراع بين دبيبة وباشاغا يستحق القتال من أجله. لقد سئموا بشكل متزايد من كليهما، ويبحثون عن طريق ثالث للخروج من الأزمة، لكن من الممكن أيضا أن يخدع الدبلوماسيون والمراقبون أنفسهم، إذ إن ليبيا لم تتمتع بهدوء نسبي منذ هزيمة هجوم حفتر على طرابلس بسبب إجهاد الحرب، ولكن لأن الوجود العسكري التركي والروسي قد أنشأ توازنا للقوى لم يكن لدى الجهات الليبية أي وسيلة لقلبه.

ولكن الصراع بين الميلشيات المسلحة الليبية الغربية من شأنه أن يغير هذا، لأن تركيا سعت إلى تجنب الانحياز إلى طرف في شد الحبل وستكون مترددة في التدخل لدعم أي من الجانبين. وبينما تفضل كتلة مهمة من الجهات الفاعلة حلا تفاوضيا من شأنه تهميش دبيبة وباشاغا، فإنه لا يوجد حاليا منتدى للمحادثات. وحتى إذا تم الاتفاق في نهاية المطاف على عملية سياسية جديدة، سواء قبل أو بعد التصعيد في طرابلس، فمن المرجح أن لا تحظى إلا بقبول حذر. إذ يشكك عديد من الفاعلين السياسيين الليبيين في أن جولة جديدة من المفاوضات يمكن أن تتجنب أخطاء الماضي، مثل صفقة جزئية لتقسيم الوزارات التي تنهار في غضون بضعة أشهر. وبعد خداع العام الماضي، يتحدث القليل الآن عن الانتخابات باعتاراها خيارا واقعيا على المدى القصير، وكما قال مؤخرا أحد السياسيين الليبيين: "قد نضطر إلى انتظار موت حفتر".

قراءة 79 مرات آخر تعديل في الأحد, 03 جويلية 2022 18:15