الجمعة, 25 نوفمبر 2022 13:09

هل ستنقذها أمريكا...الحرب الروسية أضعفت أوروبا أكثر مميز

كتب بواسطة :

تواجه أوروبا أزمة دائمة في الطاقة والجغرافيا السياسية، وهذا ما يضعفها أكثر ويهدد مكانتها العالمية.

ستشكل الضغوط الاقتصادية القاسية اختبارا لمرونة أوروبا في عام 2023 وما بعده. وهناك مخاوف متزايدة من أن إعادة تشكيل نظام الطاقة العالمي والتدابير الاقتصادية الأمريكية والخلافات الجغرافية السياسية تهدد القدرة التنافسية طويلة المدى للاتحاد الأوروبي وغير الأعضاء، بما في ذلك بريطانيا. ولا يقتصر الخطر على ازدهار القارة فحسب، بل إن التحالف عبر الأطلسي معرض للخطر أيضا.

لا تنخدع باندفاع الأخبار السارة من أوروبا في الأسابيع القليلة الماضية، فمع انخفاض أسعار الطاقة منذ فصل الصيف وغلبة الطقس الجيد وما يعنيه هذا وذاك من أن تخزين الغاز شبه ممتلئ، إلا أن أزمة الطاقة ما زالت تشكل مخاطر، فأسعار الغاز أعلى بستة أضعاف من متوسطها على المدى الطويل. وفي 22 نوفمبر الجاري، هددت روسيا بخنق آخر خط أنابيب يعمل إلى أوروبا، وسيحتاج تخزين الغاز في أوروبا إلى إعادة التعبئة مرة أخرى في عام 2023، وهذه المرة من دون أي غاز روسي عبر الأنابيب. ثم إن سلاح الطاقة الذي يستخدمه فلاديمير بوتين سيكون له خسائر أخرى خارج أوكرانيا وسيمتد إلى أنحاء أوروبا. 

كما أن الحرب تُولَد نقاط ضعف مالية، إذ ينتقل تضخم الطاقة إلى بقية الاقتصاد الأوروبي، مما يُسبَب معضلة حادة للبنك المركزي الأوروبي. وكان احتمال قطع العلاقات مع روسيا، والتكاليف المرتفعة الهيكلية، كل هذا يعني إعادة النظر في حسابات عديد من مجالس إدارة الشركات.

وحتى مع احتدام أزمة الطاقة، كشفت الحرب عن نقطة ضعف في نموذج الأعمال الأوروبي. ذلك أن عددا كبيرا جدا من الشركات الصناعية في أوروبا، وخاصة الشركات الألمانية، اعتمد على الطاقة الوفيرة من روسيا. وأصبحت كثير من الشركات أيضا أكثر اعتمادا على خصم آخر، وهو الصين. وقد تم تضخيم هذا الضغف بسبب القومية الاقتصادية الأمريكية التي تهدد بسحب النشاط عبر المحيط الأطلسي في زوبعة من الإعانات والسياسة الحمائية. ويحذر كثير من رؤساء الشركات من أن الجمع بين الطاقة الباهظة والإعانات المالية الأمريكية يترك أوروبا عرضة لخطر تراجع التصنيع الشامل فيها، مع ملاحظة أن تقدم أوروبا في السن أسرع من أمريكا أيضا.

وخسارة الاستثمار تجعل أوروبا أكثر انكماشا وتغذي الإحساس بتراجع النشاط الاقتصادي. ونشير هنا إلى أن مسار الناتج المحلي الإجمالي، الذي كانت عليه قبل انتشار فيروس كورونا، كان أداء أوروبا فيه أسوأ من أي كتلة اقتصادية أخرى. ومن بين أكثر 100 شركة قيمة في العالم، هناك 14 شركة فقط أوروبية، وقد اتهم وزير الاقتصاد الألماني أمريكا بـ "زيادة الاستثمارات"، ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى "إيقاظ أوروبا". واستشاط مسؤول أوروبي بارز غضبا بقوله لصحيفة بوليتيكو: "الحقيقة أن الدولة الأكثر استفادة من هذه الحرب هي الولايات المتحدة، لأنها تبيع المزيد من الغاز وبأسعار أعلى، ولأنها تبيع المزيد من الأسلحة". وكبار المسؤولين الأوروبيين غاضبون من إدارة جو بايدن ويتهمون الأمريكيين الآن بجني ثروة من الحرب في وقت تعاني فيه تعاني دول الاتحاد الأوروبي. وجاء هذا في أعقاب الغضب المتصاعد في أوروبا بشأن الإعانات الأمريكية التي تهدد بتدمير الصناعة الأوروبية، ومن المرجح أن يرحب الكرملين بتسميم الأجواء بين الحلفاء الغربيين.

وقد فشل معظم أعضاء الناتو في تحقيق هدف إنفاق 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. وكان الاتحاد الأوروبي ساذجا بشكل مذهل بشأن العدوان الروسي على أوكرانيا. وعلى الرغم من أن الحرب تسببت في توحد أمريكا وأوروبا بعد التمزقات التي شهدتها سنوات ترامب، إلا أن الخطر يكمن في أن الصراع الطويل والتوترات الاقتصادية ستفككها تدريجيا مرة أخرى، وهو ما يرغب فيه بوتين.

وأدى الاضطراب الناجم عن غزو بوتين لأوكرانيا إلى دفع الاقتصادات الأوروبية إلى الركود، مع تصاعد التضخم والضغط المدمر على إمدادات الطاقة. وفي الوقت الذي يحاولون فيه تقليل اعتمادهم على الطاقة الروسية، تتجه دول الاتحاد الأوروبي إلى شراء الغاز من الولايات المتحدة، لكن السعر الذي يدفعه الأوروبيون أعلى بأربعة أضعاف من تكاليف الوقود نفسها في أمريكا. ثم هناك زيادة محتملة في الطلبات على المعدات العسكرية الأمريكية الصنع لإرسالها إلى أوكرانيا، وكل هذا يعني الكثير بالنسبة لكبار المسؤولين في بروكسل وعواصم الاتحاد الأوروبي الأخرى.

ويرى مراقبون غربيون أنه لتجنب حدوث صدع خطر في أوروبا: "يجب على أمريكا أن ترى الصورة الأكبر، إذ تهدد سياسة "الحمائية" التي ينتهجها بايدن باستنزاف حيوية أوروبا حتى في الوقت الذي تدعم فيه أمريكا الجيش الأوكراني، فليس لأمريكا مصلحة إستراتيجية في اختلاس الاستثمار الأوروبي. يجب أن تجعل الشركات الأوروبية مؤهلة للحصول على دعم الطاقة، وأن تدمج أسواق الطاقة عبر المحيط الأطلسي بشكل أعمق".

في غضون ذلك، كما توصي مجلة "إيكونوميست" الاقتصادية البريطانية: "تحتاج أوروبا إلى حماية اقتصادها من شح الطاقة. يجب على المخططات التي تهدف بشكل صحيح إلى دعم المستهلكين والشركات لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الطاقة أن تكبح الطلب من خلال فرض أسعار أعلى على الهامش، كما هو الحال في ألمانيا. ولخفض أسعار الطاقة على المدى الطويل، يجب على أوروبا تسريع ثورة مصادر الطاقة المتجددة، مع إبقاء أسواق الطاقة مفتوحة للمنافسة. كما يحتاج أيضًا إلى التكيف مع الواقع الأمني ​​الجديد. وهذا يعني زيادة الإنفاق على الدفاع حتى تتمكن من تحمل العبء بينما تحول أمريكا نظرتها نحو آسيا"..

وقد أدى النزاع المتزايد حول قانون بايدن لخفض التضخم (IRA)، وهو عبارة عن حزمة ضخمة من الضرائب والمناخ والرعاية الصحية، إلى وضع المخاوف بشأن حرب تجارية عبر المحيط الأطلسي على رأس جدول الأعمال السياسي مرة أخرى. ومن المقرر أن يناقش وزراء التجارة في الاتحاد الأوروبي ردهم يوم الجمعة حيث يضع المسؤولون في بروكسل خططًا لحرب طارئة من الإعانات المالية لإنقاذ الصناعات الأوروبية من الانهيار.

باختصار: أمريكا غاضبة من سبات أوروبا الاقتصادي وفشلها في الدفاع عن نفسها. وأوروبا غاضبة من الشعبوية الاقتصادية لأمريكا..

قراءة 122 مرات آخر تعديل في الجمعة, 25 نوفمبر 2022 19:11