الأربعاء, 21 ديسمبر 2022 20:44

لن يربح أحد في حرب طويلة في أوكرانيا مميز

كتب بواسطة :

في نوفمبر 2022، أرسل الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، موجات من الصدمة عبر العواصم الغربية عندما أعلن أن الحرب في أوكرانيا لا يمكن الانتصار فيها بالوسائل العسكرية البحتة. وأشار ميلي إلى أن أوكرانيا الآن في موقع قوة وأن هذا الشتاء قد يكون الوقت المناسب للنظر في محادثات السلام مع روسيا. كما نبه إلى مآلات الحرب العالمية الأولى، عندما أدى رفض الخصوم للتفاوض إلى مقتل ملايين آخرين، مما يشير إلى أن الفشل في "اغتنام" اللحظة قد يؤدي إلى المزيد من المعاناة الإنسانية.

إذا كانت تعليقات ميلي مثيرة للجدل، فإنها تشير إلى مشكلة أكبر في السعي لتحقيق النصر الكامل. قد يتطلب النصر الكامل حربا طويلة جدا، وسيعني أيضا أن مدتها النهائية ستعتمد على عوامل سياسية خارجة عن سيطرة الغرب. بالنسبة لأولئك الذين يدعون إلى النصر الكامل، يجب على الغرب الاستمرار في تزويد أوكرانيا بالأسلحة والموارد التي تحتاجها لمواصلة القتال، وانتظار خسارة روسيا، والأفضل أن يرحل بوتين.

لكن حرب الاستنزاف الطاحنة ألحقت بالفعل أضرارا جسيمة بأوكرانيا والغرب، فضلا عن روسيا. أجبر أكثر من ستة ملايين أوكراني على الفرار، والاقتصاد الأوكراني في حالة من السقوط الحر، والدمار الواسع النطاق للبنية التحتية للطاقة في البلاد يهدد بكارثة إنسانية هذا الشتاء. ارتفعت تكاليف الطاقة في أوروبا بشكل كبير بسبب تعطل تدفقات النفط والغاز المعتادة.

في غضون ذلك، وعلى الرغم من الانتكاسات الكبيرة، أعادت القوات الروسية تجميع صفوفها ولم تنهار. أفضل نتيجة معقولة لأوكرانيا ستكون تراجع القوات الروسية إلى خطوط السيطرة التي كانت موجودة قبل غزو فبراير 2022. ولكن حتى لو عاد الروس إلى الوضع السابق، فإن الأوكرانيين يخشون من أن موسكو سوف تتراجع ببساطة وتعيد تجميع صفوفها، في انتظار الفرصة التالية للغزو. وليس من الواضح بأي حال من الأحوال أن الردع العسكري سيكون كافيا لتأمين السلام الناتج.

ما ينقص، إذن، هو خطة سياسية متماسكة لإنهاء المعاناة، وطمأنة الأوكرانيين بأن روسيا لن تبدأ حربا جديدة في أقرب فرصة، حتى لو ظل بوتين في السلطة. سيتطلب ذلك من الروس قبول الهزيمة، لكنه يتطلب أيضا قبول الأوكرانيين بأن النصر الكامل قد لا يمكن تحقيقه. ولكن إذا ما أردنا تحقيق هذه الأهداف، فإن الغربيين سيحتاجون إلى قبول إنهاء وضع روسيا المنبوذ و"عودتها إلى أوروبا" مع تقديم ضمانات أمنية موثوقة إلى كييف. بعبارة أخرى، ينبغي على الغرب صياغة رؤية سياسية رئيسية تتجنب رغبة أوكرانيا وأشد مؤيديها في تحطيم روسيا وتحييدها. إذا فشلت الولايات المتحدة وشركاؤها في وضع مثل هذه الخطة، فإن احتمال تحقق مخاوف الجنرال الأمريكي تزداد: حرب استنزاف، وخطر التصعيد والكارثة، والعواقب المضطربة للحرب.

وعلى الرغم من أنها تفتقر إلى الدعم الواسع والعميق الذي تلقته أوكرانيا من شركائها وحلفائها، إلا أن روسيا أقوى مما كان يتوقعه كثيرون. ويبدو أن جيشها واقتصادها وقائدها مستقرون. وحتى مع تسلل الإحباط إلى الجيش الروسي بسبب الهزائم المتكررة، إلا أنه نجا.

الشتاء المقبل سيكون اختبارا حاسما لقدرة الجيش الروسي على الصمود، لكنَ الخبراء العسكريين لا يتوقعون انهياره. ستكون هناك حاجة إلى المزيد من الهزائم والتراجع لتغيير هذا التقييم. وينطبق الشيء نفسه على الاقتصاد الروسي. توقع كثيرون بثقة أن التجارة والصناعة الروسية سوف تسحق بفعل ثقل العقوبات التي تفرضها الحكومات الغربية. وقيل إن مثل هذا الضغط الاقتصادي الشديد قد يكون كافيا لإجبار موسكو على الانسحاب من أوكرانيا. لكن الضغوط الاقتصادية نادرا ما تكون كافية لإنهاء الحرب.

تقلص الاقتصاد الروسي في عام 2022، ولكن بنسبة ثلاثة في المائة فقط، أقل بكثير مما توقعه البعض، وأثبت نظامها المالي استدامته واستقراره من الناحية الاقتصادية الكلية. روسيا معزولة عن العديد من سلاسل التوريد الغربية، لكن لديها فائض كبير للغاية في الحساب الجاري، مما يسمح للشركات والحكومة في البلاد بالعثور على الكثير مما يحتاجون إليه في أماكن أخرى.

خلال الحرب الباردة، لم تجبر العقوبات موسكو على الانسحاب من أوروبا الشرقية، ومن غير المرجح اليوم أن تُجبر روسيا على الانسحاب من أوكرانيا. قد يؤثر سقف أسعار النفط الروسي الذي حددته مجموعة السبع في أوائل ديسمبر على عائدات الواردات الروسية، لكن حتى المتفائلين الغربيين غير متأكدين من مدى فعاليته. إذا ظلت آلة الحرب الروسية ممولة ومجهزة، على الرغم من الضغط الغربي، فستكون النتيجة مأزقا دمويا.

يدرك بوتين، بصفته المهندس الرئيسي لهذه الحرب، العواقب المحتملة للهزيمة. قادته قراءته الخاطئة لتاريخ أوكرانيا وروسيا إلى افتراض أن غزوه سيحقق نجاحا سريعا. لكن على الرغم من أن بوتين أساء فهم الأوكرانيين، إلا أن فهمه للدروس المهمة للانهيار المزدوج للدولتين الروسية والسوفييتية قوي. سقطت الإمبراطورية الروسية عام 1917 عندما تنازل القيصر نيكولاس الثاني عن العرش. وانهارت الدولة السوفيتية بعد خيانة القادة العسكريين والأمنيين للرئيس ميخائيل جورباتشوف وفقد السيطرة على العاصمة. لقد حرص بوتين على استمراره في السيطرة القوية على الجيش والأجهزة الأمنية والمجتمع الروسي.

تعتمد قوة بوتين الداخلية على زرع الخوف واللامبالاة والسخرية وانعدام الثقة بين النخب في البلاد. لكن مع المزيد من الهزائم الروسية والمزيد من التعبئة، قد يبدأ ملايين الروس في إلقاء اللوم على بوتين، تماما كما ألقى أسلافهم باللوم على القيصر نيكولاس وغورباتشوف. إلى جانب أزمة الروح المعنوية واللامبالاة والإرهاق بين القوات، يمكن أن يؤدي مثل هذا التحول في الرأي العام إلى أزمة سياسية. ستكون هذه هي اللحظة التي سيتعين على النخب السياسية الروسية أن تقرر ما إذا كانت ستتفاوض مع الغرب أو ستقاتل حتى النهاية. ذلك أنه إذا واصلت موسكو القتال، فربما تتكبد المزيد من الهزائم والخسائر وتعرض نفسها لخطر متزايد من الانهيار الكارثي والعنيف.

تبقى شبه جزيرة القرم أكبر عقبة أمام أي محادثات بين موسكو وكييف. والمطالبة الغربية الصريحة بإعادة شبه جزيرة القرم شرطا مسبقا لمحادثات السلام لن تؤدي إلا إلى حشد المزيد من الروس إلى جانب الحرب. في بعض الأحيان يكون من الحكمة ترك موضوع مستعصي على الحل للمفاوضات المستقبلية.

كلما استمرت هذه الحرب، زادت عواقبها سوءا. أطاحت الحرب العالمية الأولى بالإمبراطوريات والسلالات العظيمة في جميع أنحاء أوروبا، وزرعت بذور الحرب العالمية الثانية، وأدت مباشرة إلى صعود موسوليني وهتلر. وأفضت الخلافات التاريخية بين ألمانيا وفرنسا حول الألزاس واللورين، وبين صربيا وكرواتيا حول البوسنة، إلى عواقب مميتة لكلا الجانبين. واستغرقت جراح هذه الصراعات أجيالاً لتلتئم. لا يمكن التنبؤ بالعواقب طويلة المدى للحرب في أوكرانيا. لكن الوعي بالمآلات المزعزعة للاستقرار للحروب الطويلة والمدمرة للغاية يجب أن يدفع إلى التفكير في الحاجة إلى إستراتيجية مُستوعبة وأكثر اتساعا، إستراتيجية يمكن أن توفر لأوكرانيا أمنها ولروسيا مستقبلها.  

قراءة 102 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 21 ديسمبر 2022 22:59