الأربعاء, 23 أكتوير 2019 23:05

"واشنطن بوست": كيف وصل لبنان إلى هذا الانهيار؟

كتب بواسطة :

واصل مئات الآلاف من اللبنانيين الاحتجاج بعد أن اقترح رئيس الوزراء سعد الحريري قائمة بالإصلاحات يوم الاثنين. تستمر الاحتجاجات في جميع أنحاء لبنان، منذ يوم الخميس الماضي، بسبب الأزمة الاجتماعية والاقتصادية العميقة في البلاد، والتي لها جذور في القرارات التي اتخذت بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990. وأدت هذه الخيارات الاقتصادية والسياسية إلى وضع يتعذر الدفاع عنه على نحو متزايد لا تملك الطبقة السياسية في البلاد إلا بأجوبة قليلة.

لقد غذت فوائد الاقتراض الحكومي غير المستدام فئة ضيقة من النخب دون معالجة الفقر المتزايد، كما إن النظام الضريبي زاد من عدم المساواة. لقد فشلت الحكومة في معالجة قضايا واسعة النطاق مثل الفساد الواسع النطاق وحرائق الغابات الأخيرة وأزمة العملة التي تلوح في الأفق. والبلد يعتمد على الواردات. ومن شأن تخفيض قيمة العملة رفع أسعار السلع المستوردة وتآكل مستويات المعيشة. منذ عام 1997، طمأن ربط العملات بالدولار المستثمرين الأجانب باستقرار البلاد. وقرار البنوك اللبنانية هذا الشهر بتوزيع الحصص على الدولار الأمريكي يثير قلق اللبنانيين. أساسياتها الاقتصادية هي من بين الأسوأ في العالم. واحدة من أكثر الدول المدينة تقدر ديونها الحكومية بنحو 155 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتستورد البلاد سلعًا وخدمات أكبر بكثير مما تصدره، ومن المقرر أن يصل عجز الموازنة الحكومية إلى 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.

وقالت الصحيفة الأمريكية إن الاقتراض الحكومي المفرط أدى إلى تضخيم القطاع المصرفي ذي الارتباط السياسي الجيد الذي يقرض الدولة بأسعار فائدة مرتفعة. وتفضل البنوك الإقراض للحكومة بدلاً من تمويل المشاريع المبتكرة، ممَا يُضعف استثمارات القطاع الخاص. وتعتمد البنوك على اللبنانيين الأثرياء وخاصة المغتربين لإيداع أموالهم في بيروت. تتدفق أسعار الفائدة الهائلة التي يكسبها هؤلاء المودعون إلى جيوب قليلة جدا: يقدر أن حوالي 1 في المائة من جميع الحسابات تحتوي على ما يقرب من نصف إجمالي الودائع. وفقًا لبحث لكاتب التقرير حول الأزمة الاقتصادية الحاليَة، فإن اقتصاد الريع غير المنتج في لبنان يدور حول القطاع المصرفي والعقاري، ممَا يؤدي إلى تفاوت كبير في الدخل.

وجدت دراسة حديثة أن أعلى 10 في المائة من أصحاب الدخل اللبناني حصلوا على 57 في المائة من إجمالي الدخل المكتسب في عام 2014، وتمثل نسبة الـ 50 في المائة الأدنى 11 في المائة فقط. وبينما يبقى العبء على المؤسسات المالية خفيفا، فإن الضرائب غير المباشرة التي يدفعها الجميع، مثل ضريبة القيمة المضافة، تزداد. وأصبحت ضريبة WhatsApp الأخيرة، التي أشعلت اندلاع الاحتجاجات يوم الخميس الماضي، رمزًا للاقتصاد السياسي المنحرف في البلاد.

ويكسب الأثرياء والمتنفذون السياسيون أرباحا مصرفية، في وقت تستنزف فيه الدولة الموارد اللازمة لمعالجة الأزمات الاجتماعية والبيئية. وخدمة الديون المفرطة للبلاد لا تترك مجالاً للإنفاق الحكومي على المشكلات الاجتماعية المشتعلة. والتوظيف والإنفاق الحكوميين على أسس طائفية يؤججان الافتقار المنهجي للشفافية والمحسوبية في التعيينات السياسية.

ويفرض نظام الكهرباء المختل وظيفياً على الأسر دفع رسوم باهظة للوصول إلى المولدات الكهربائية الخاصة. وتعتمد الأسر على المياه المعبأة في زجاجات، لأن نوعية مياه الصنبور رديئة. ويمكن لسكان المشاريع العقارية الفاخرة عزل أنفسهم عن فشل الدولة، ولكن حتى الطبقة الوسطى تكافح من أجل التكيف مع هذا الواقع الكارثي.

يمثل اللاجئون السوريون الذين يقدر عددهم بنحو 1.5 مليون لاجئ عبئًا إضافيًا، لكن أسباب إخفاقات القطاع العام تعود إلى أبعد من بداية الحرب السورية في عام 2011. وهذا لم يمنع السياسيين من استخدام اللاجئين كبش فداء يُبرَرون به فشلهم. ضعف أداء الدولة يعرض مواطنيها للخطر. فشل جمع القمامة في بيروت عام 2015 في مظاهرات لا تختلف عن المظاهرات الحالية. لم يجد السياسيون أي حل مستدام للأزمة بخلاف إلقاء النفايات في جبال البلاد وشاطئها. وقد أدى ذلك إلى تلوث شديد للمياه وتجدد الاحتجاجات المحلية. وتفاقمت الأزمة البيئية الأسبوع الماضي عندما دمرت حرائق الغابات جبال لبنان. ومعدات مكافحة الحرائق الحاسمة لم تكن متوفرة بسبب نقص الصيانة.

وكان الجو المروع لحرائق الغابات وأزمة العملات التي تلوح في الأفق بمثابة خلفية الاحتجاجات، واقتراح ضريبة WhatsApp فجَر الشارع. كيف نجا الاقتصاد اللبناني لفترة طويلة؟ يعتمد لبنان اعتمادًا كبيرًا على التحويلات من مجتمع المهاجرين الكبير، ليس أقلها توفير الودائع التي تقرضها المصارف اللبنانية للحكومة، ويلاحظ رركود هذه التدفقات في السنوات الأخيرة. وأدى انخفاض أسعار النفط إلى انخفاض التحويلات من اللبنانيين في الخليج، كما إن الحرب السورية جعلت لبنان وجهة استثمارية أقل جاذبية. والتهديد بفرض عقوبات أمريكية على البنوك التي تتعامل مع حزب الله أضعف الثقة. وفي أوقات الأزمات السابقة، أعادت الحكومات الخليجية الصديقة ثقة المستثمرين في قدرة البنك المركزي على الدفاع عن العملة من خلال التحويلات النقدية الطارئة التي يتم الترويج لها بشكل جيد. وتنامي هذا الدعم غير مؤكد.

واضطر البنك المركزي إلى اللجوء إلى الألعاب البهلوانية المالية المعقدة للحفاظ على تحالف المصالح بين البنوك ورؤوس أموال الشتات والخزينة اللبنانية. في مؤتمر المانحين لعام 2018، تعهدت الحكومة اللبنانية بإجراء إصلاحات اقتصادية مقابل الحصول على أموال، لكنها لم تقدم. ويستخدم السياسيون اللبنانيون الطائفية للسيطرة على دوائرهم الطائفية وتقويض جهود التعبئة السياسية التي قد تهدد الوضع الراهن. والآن، بعد مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية غير الطائفية، فشل النص المألوف للسياسيين المتمثل في التعايش المشترك. في ليلة الجمعة، طلب الحريري فترة سماح مدتها 72 ساعة قبل أن تقوم قوات الأمن بتطهير وسط بيروت باستخدام الغاز المسيل للدموع والاعتقالات الجماعية. في اليوم التالي، عاد المحتجون.

** رابط التقرير الأصلي: https://www.washingtonpost.com/politics/2019/10/22/lebanons-economic-crisis-didnt-happen-overnight-so-how-did-it-get-this-point/

قراءة 175 مرات آخر تعديل في الخميس, 24 أكتوير 2019 10:13