الأربعاء, 18 ديسمبر 2019 09:53

عندما تتفوق الشخصية" على "الإيديولوجيا": لماذا أصبحت الديمقراطية الأوروبية بيد زعماء شعبويين؟ مميز

كتب بواسطة :

كتبت صحيفة "بوليتكو" الأمريكية أن فوز رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، أظهر أن الأحزاب، الآن، ليست أكثر من مجرد التفاف حول الشخصيات التي تقودها. ومن بين الدروس العديدة حول السياسة الأوروبية المعاصرة، يمكن للمرء أن يستخلص من فوز بوريس جونسون المدوي في الانتخابات البريطانية، وقد يكون الأهم هو الأكثر وضوحًا: طغيان الشخصية. 

وعلى الرغم من أن الحملة الانتخابية لاختيار رئيس الوزراء البريطاني لم تدع مجالًا للشك في أن الفجوة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال عميقة، فإن الشيء الوحيد الذي يبدو أن معظم البريطانيين يتفقون عليه، أنه على الرغم من كل غرائبه (أو ربما بسببها)، فإنهم يُفضلون جونسون عمومًا.

وكشفت الاستطلاعات طيلة الحملة الانتخابية وبشكل مستمر تقدم رئيس الوزراء على زعيم العمال جيرمي كوربن. وأظهرت استطلاعات الرأي في الفترة التي سبقت الانتخابات باستمرار أن رئيس الوزراء محبوب في جميع التركيبة السكانية تقريبا من زعيم حزب العمل، جيريمي كوربين. وكان الإعجاب دائمًا عاملاً في اختيارات الناخبين.

 وبعد أن كان السياسيون المؤثرون في الماضي (من أصحاب الكاريزما) في أوروبا (على الأقل الديمقراطيون) يمثلون أولاً وقبل كل شيء برنامجاً سياسياً مثاليا، ولَى عهد مارغريت تاتشر، وفرانسوا ميتران، وهيلموت كول، في المشهد السياسي اليوم، حيث استُبدلت الإيديولوجية والمبدأ بالبراغماتية والانتهازية الفجة، وأصبحت الأحزاب، في الغالب، مجرد غلاف للشخصيات السياسية التي تقودها. 

وتحدث "جوزيف جاننج"، المحلل السياسي الألماني المخضرم، عن التراجع المؤسسي للأحزاب السياسية القديمة في أوروبا. ورأى أن فشل الأحزاب السائدة في معالجة بواعث قلق الناخبين بشأن قضايا مستعصية، مثل العولمة والتكنولوجيا والهجرة قد أوجد ثغرة، دفع السياسيين المبتدئين في أوروبا إلى استغلاله من خلال تقديم أنفسهم على أنهم أيقونات راغبة في الارتقاء بالوضع الراهن، سواء من داخل هياكل المؤسسة، كما في جونسون وكورز، أو من الخارج، مثل ماكرون، الذي تخلى عن الحزب الاشتراكي الفرنسي لبدء حركته الجديدة، وسالفيني، الذي أعاد تشكيل "ليجا" (رابطة الشمال) الإيطالية ليصبح قوة وطنية. 

وبدلا من القيم التي طبعت الأحزاب التقليدية، يبدو القادة هؤلاء مدفوعين بجماعات تركز على موضوعات معينة ويتأثرون بالاستطلاعات ووسائل التواصل الاجتماعي.وفي معظم الحالات تمسكوا بالقضية التي ارتبطت بهم كالهجرة في حالة كيرز وسالفيني والبريكسيت، كما هو حال جونسون. 

فقد استخدم صيغة دونالد ترامب التي تتجنب التفاصيل الدقيقة على حساب الأسطورة وسوق "البريكسيت" بأنها الطريقة المثلى لاستعادة بريطانيا مجدها الماضي وقدم نفسه على تجسيد جديد لوينستون تشرتشل. ففي الماضي، كانت سلوكيات وأخلاقيات ترامب وجونسون كفيلة باستبعادهما من قيادة حزبيهما.أما اليوم، فإن القواعد الشعبية تجاهلت هذه الأمور ودعمتهما بحماس نادر. 

ويشترك القادة الذين يغردون خارج السرب اليوم في أمر آخر وهو الشراسة. ففي الماضي كانت الأحزاب الأوروبية تعمل كما لو أنها مؤسسة قطاع مدني تجند أفضل وأذكى العقول وترفعهم تدريجيا للمناصب القيادية، وكان وصولهم للحكومة تتويجا لعقود من العمل السياسي، وهذا لم يعد هو الحال. وفي أوروبا الشرقية، تقود شخصيات شعبوية مثل بيتر أوربا في هنغاريا إلى جمهورية التشيك وبلغاريا ورومانيا.

وظلت ألمانيا محصنة في عهد المستشارة أنغيلا ميركل، والتي عادة ما قدمت باعتبارها الصورة المضادة لعبادة الشخصية، مع أن ميركل تجسيد لعصر القيادة الشخصية في أوروبا. وقد بنت ميركل صورتها بعناية، فخلافا لبريطانيا وإيطاليا، يحب الألمان تواضع وهدوء ميركل، ولكن لا تُسأل عن موقفها، إذ لم يتم وزنها من خلال الأيديولوجيا.

وفي الوقت الذي تسيطر فيها النزعات الشعبوية على أوروبا، يعرف الألمان أن لديهم "موتي" (الأم). والمفارقة أن جاذبية ميركل التي جمعت بين القيم التقليدية والتغيرات المستمرة أسهمت في تراجع الأحزاب التقليدية بما في ذلك حزبها. وبدأت الأحزاب المعادية للمهاجرين والخضر الذين استثمروا في قضايا البيئة بملء الفراغ. ومهما يحدث لنجوم أوروبا السياسيين الجدد، فإن جاذبيتهم لن تختفي قريبا، فهم يعبرون عن تحول عميق في المناخ السياسي.  

** رابط المقال الأصلي: https://www.politico.eu/article/europes-cult-of-political-personality-emmanuel-macron-boris-johnson-jeremy-corbyn/

قراءة 185 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 18 ديسمبر 2019 20:56