الأحد, 05 جانفي 2020 07:25

التنافس بين القوى العالمية والإقليمية والحروب بالوكالة مميز

كتب بواسطة :

ألخص ما قرأته عن مستقبل الصراع الأمريكي الإيراني في المجلات الأمريكية (ومنها "فورين آفيرز") وما كتبه الباحث الإستراتيجي الفذ "ستيفن والت"، وغيره في نقاط سريعة:

- كان اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني على مشارف بغداد تصعيدًا كبيرًا في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لكن الضربة الأمريكية من دون طيار التي أسفرت عن مقتل القائد القوي لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قد تتسبب في خسائر أخرى: العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق. وبالتحالف مع كل من الولايات المتحدة وإيران، يجد العراق نفسه الآن ساحة المعركة الأمامية لهذين الخصمين.

- تأسس "الحشد الشيعي" في العراق لمواجهة "داعش"، ويبدو أنه يستعيد زخمه الشعبي تحت حملة مواجهة الأمريكيين بالعراق..مقتل سليماني والمهندس سيستثمر لتوحيد شيعة العراق مجددا خلف جبهة الحشد..وما حصل مع القنصلية الأمريكية بالبصرة من ضربات وقصف، حتى أجبرت على الانسحاب، قد يتكرر للضغط على واشنطن لسحب قواتها.

- النفوذ الإيراني في العراق أمر واقع فرضه التشيع المذهبي. إيران متغلغلة في العراق منذ عقود طويلة ولها نفوذ على الشيعة ليس فقط في العراق بل في البحرين، شرق السعودية، سوريا، لبنان. النفوذ الإيراني العسكري جاء بسبب نفوذها المذهبي.

- في مثل هذه الظروف التي تعيشها إيران يضمحل الخيط الرفيع الذي يفصل بين الراديكالية الأيدلوجية للنظام وبين البراغماتية الواقعية للدبلوماسية الإيرانية..القوة العسكرية لها مكانها، لكن لها حدودها أيضًا، وعلى أمريكا أن تدرك الآن أنه لا يمكنها قصف طريق خروجها من منطقة "الشرف الأوسط".

- مع الافتقار إلى أهداف متماسكة وإستراتيجية لتحقيقها، فإن عمليات، مثل اغتيال قاسم سليماني، قد تترك الولايات المتحدة في وضع أسوأ. قد نجح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في التعثر في أزمة خطرة أخرى مع إيران. إنها النتيجة شبه المحتومة لنهجه قصير النظر تجاه الشرق الأوسط بأكمله (وخاصة إيران) ودليل آخر على عجز واشنطن عن صياغة سياسة متماسكة وفعالة تجاه أي قضية عالمية مهمة.

- اغتيال "سليماني" خطأ إستراتيجي تورط فيه ترامب. بدأ حملته التي يُطلق عليها "أقصى قدر من الضغط"، وهو برنامج شامل للحرب الاقتصادية ضد إيران، من أجل القضاء على قدرة التخصيب النووي، وإجبار إيران على تغيير سياستها الخارجية لتناسب الولايات المتحدة، وربما لإسقاط النظام نفسه. يعاني الإيرانيون العاديون بقوة نتيجة للعقوبات الأمريكية، لكن النظام لم يستسلم لمطالب ترامب وما انهار. وبدلاً من ذلك، تحرك إيران تدريجياً لإعادة تشغيل برنامجها النووي، وأقامت علاقات أوثق مع روسيا والصين، وانتقمت من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

منطق رد طهران واضح ويمكن التنبؤ به تمامًا: إذا أرادت الولايات المتحدة أن تجعل الحياة صعبة على إيران، فإن قادتها سيثبتون أنهم يستطيعون جعل الحياة صعبة بالنسبة للولايات المتحدة أيضًا.

- سترد إيران، غالبا، وسيقوم النظام بذلك في وقت وبوسائل يختارهما، وبطرق مصممة لزيادة الألم والتأثير السياسي.وسيؤدي هذا الاغتيال إلى تأجيج القومية الإيرانية وتعزيز القوى المتشددة في طهران.

وباختصار، يبدو أن أسلوب إدارة ترامب تجاه إيران -بما في ذلك هذا الحادث الأخير- يخلو من المنطق الإستراتيجي.. ذلك أن ترامب ووزير الخارجية، مايك بومبو، ووزير الدفاع، مارك إسبر، وبقية فريق السياسة الخارجية للإدارة يشبهون لاعبي الشطرنج الذين فشلوا في التفكير في أكثر من خطوة في وقت واحد، وبالتالي فقدوا ما ينبغي أن يكون حقيقة واضحة في السياسة الدولية: اللاعب الآخر على تحريك القطع الخاصة به أيضا.

- قال هنري كيسنجر، في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز"، إنه يعتقد أن "ترامب قد يكون إحدى هذه الشخصيات التي تبرز في التاريخ للدلالة على نهاية مرحلة وما لازمها من أطروحات وادّعاءات". وعلى الرغم من أن التنافس بين القوى العظمى قد تزايَد في عهدَي الرئيس السابق باراك أوباما وسياسة "الاستدارة نحو آسيا"، إلا أن تحويله إلى أولوية إستراتيجية رسمية للولايات المتحدة كان في عهد ترامب. وكما كتب الريدج كولبي، مساعد نائب وزير الدفاع السابق بين عامَي 2017 و2018، وميس ميتشيل، مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركي، في مقال مشترك في العدد الأخير من مجلة "فورين أفيرز"، فإنه "عندما سيدرس المؤرّخون في المستقبل سياسة الولايات المتحدة في بداية القرن الواحد والعشرين، فإن أكثر تحوّلاتها أهمية سيكون عودة تركيزها على التنافس بين القوى العظمى... هو التحوّل الذي سيحكم السياسة الخارجية لجميع الرؤساء الذين سيلون الرئيس الحالي بمعزل عن انتمائهم الحزبي ولفترة طويلة من الزمن".

- أدركت النخب الأميركية، أنها اليوم تواجه خصوماً أقوى وأكثر طموحاً من جميع الذين واجهتهم في الماضي، ويتمحور تفكيرها ونقاشها حول السبل الأنجع لخوض هذه المواجهة والانتصار فيها. ينطبق هذا الكلام أكثر ما ينطبق على العسكريين. قطاع واسع من هؤلاء كان قد اعترض على الغرق في حروب مكافحة التمرد في أفغانستان والعراق وما تسبّبت به من تعامٍ عن التعاظم السريع والنوعي لقدرات روسيا والصين العسكرية، والذي تترتّب عليه تهديدات للريادة الأمريكية.

ومن بين دوافع الاعتراض المشار إليه ما يسميه بعض الخبراء العسكريين "نفوراً ثقافياً متجذراً في أوساط البنتاغون من حروب مكافحة التمرد"، وبالتالي من جميع النزاعات المنخفضة التوتر... نتيجة لذلك، لا يعدّ الجيش الأميركي غالبية جنوده لخوض حروب منخفضة التوتر، بل يعطي الأولوية للصراع بين القوى العظمى وما يعنيه من عمليات عسكرية واسعة النطاق في مسارح محددة.

- سباق التسلّح المحموم الذي يفضي إليه التنافس بين القوى العظمى يجعل من احتمال الصدام المباشر بينها ضعيفا جدا، لما سيتمخّض عنه من احتمالات إفناء متبادل كلّي أو جزئي، وما يترتب عن هذا، أن القوى المتنافسة ستلجأ، على الأرجح، إلى حروب بالوكالة ضمن صراعها على النفوذ والموارد، أو ضمن إستراتيجياتها لاستنزاف بعضها بعضا. وتصاعد الصراع بين القوى الدولية سينجم عنه سعيٌ متزايد من قبلها لتوظيف النزاعات المحلية والإقليمية، ولافتعال أو تأجيج أخرى ضمن هذا الصراع.

قراءة 89 مرات آخر تعديل في الأحد, 05 جانفي 2020 07:37